20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تونس والقبضة الأمنية..  البحث عن حريات مفقودة تحت وطأة الملاحقات

مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تعيشها تونس، تتصاعد وتيرة الملاحقات التي تطال الأصوات المعارضة والاحتجاجات المطلبية، مما يضع البلاد أمام تساؤلات وجودية حول مصير الحريات العامة.

بقلم: سماح عثمان
٥ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
8 مشاهدة
تونس والقبضة الأمنية..  البحث عن حريات مفقودة تحت وطأة الملاحقات

تونس والقبضة الأمنية..  البحث عن حريات مفقودة تحت وطأة الملاحقات

في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تعيشها تونس، تتصاعد وتيرة الملاحقات التي تطال الأصوات المعارضة والاحتجاجات المطلبية، مما يضع البلاد أمام تساؤلات وجودية حول مصير الحريات العامة. تأتي هذه التحركات في سياق سياسي معقد يتسم بإحكام السلطة قبضتها على مفاصل الدولة والقبض علي النائب أحمد السعيداني لانتقاده الرئيس التونسي قيس سعيد.

وبحسب تقارير حقوقية محلية ودولية، فإن اتساع رقعة الاعتقالات والملاحقات القضائية يكشف عن رغبة حثيثة في تصفية الفضاء العام من المعارضة، وهو ما يعزز من عزلة البلاد دوليًا ويزيد من حالة الاحتقان الداخلي التي تفاقمت نتيجة الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، في وقت يرى فيه أنصار الرئيس قيس سعيد أن هذه الإجراءات "تصحيحية" لإنقاذ الدولة من الانهيار.

تونس..اعتقال المعارضة وتكميم الأفواه

شهدت تونس تصعيدًا جديدًا في ملاحقة الشخصيات السياسية البارزة، حيث تم اعتقال نائب معارض للرئيس قيس سعيد، في خطوة اعتبرتها القوى المدنية حلقة جديدة من مسلسل استهداف الخصوم السياسيين. وبحسب ما ذكرته "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان"، فإن عملية الاعتقال شابتها خروقات قانونية تعكس تراجعًا في ضمانات المحاكمة العادلة، مما يرسخ الانطباع بأن السلطة لم تعد تقبل بأي سقف للمعارضة البرلمانية أو الحزبية، خاصة في ظل تركيبة سياسية جديدة يبدو فيها البرلمان منزوع الصلاحيات الفعلية أمام تغول السلطة التنفيذية.

وتشير القراءات السياسية لهذا الاعتقال إلى أن السلطة تتجه نحو إغلاق القوس السياسي تمامًا أمام أي حراك قد يشوش على المسار الذي رسمه الرئيس منذ إجراءات يوليو 2021. ووفقًا لتقارير صحفية صادرة عن "إذاعة موزاييك"، فإن التهم الموجهة للمعرضين غالبًا ما تتخذ طابعًا فضفاضًا يرتبط بـ "التآمر على أمن الدولة" أو "المس بكرامة الرئيس"، وهي تهم يرى فيها خبراء قانونيون وسيلة شرعية لتبرير القمع السياسي. هذا المناخ أدى إلى شلل شبه كامل في الحياة الحزبية، حيث بات الانخراط في النشاط المعارض محفوفًا بمخاطر السجن والملاحقة المستمرة.

طالبت كتلة الخط السيادي في برلمان تونس، اليوم الخميس، بالإفراج الفوري عن النائب المنتمي لها أحمد السعيداني، الذي اعتقل مساء أمس الأربعاء في أعقاب انتقادات لاذعة أطلقها ضد الرئيس قيس سعيد.

وحسب المعلومات التي ذكرتها الكتلة، في بيان لها، أوقفت قوات الأمن السعيداني في أحد مقاهي دائرته بمدينة ماطر التابعة لولاية بنزرت شمال تونس دون إخطار مسبق، وهو ما اعتبرته خرقا لإجراءات الإيقاف والتحقيق وخرقا للحصانة البرلمانية التي يضمنها الدستور.

المطالبة بالشغل وجريمة التظاهر

لم يتوقف الأمر عند حدود السياسيين، بل امتدت يد الملاحقة القضائية لتطال أصحاب الشهادات العليا الذين خرجوا في تحركات احتجاجية سلمية للمطالبة بحقهم الدستوري في التشغيل. هؤلاء الشباب، الذين أفنوا سنوات في التحصيل العلمي، يجدون أنفسهم اليوم أمام منصات القضاء بدلاً من أن يكونوا في مواقع العمل، بتهم تتعلق بتعطيل المرفق العام أو التظاهر غير المرخص. وبحسب تقرير صادر عن "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، فإن محاكمة هؤلاء المعطلين عن العمل تمثل ضربة قاضية للحقوق الاجتماعية، وتعكس عجز الدولة عن تقديم حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية واللجوء بدلاً من ذلك إلى الحل الأمني.

إن معاقبة المحتجين على أوضاعهم المعيشية تكشف عن تناقض صارخ في خطاب السلطة التي طالما ادعت انحيازها للشعب ومطالبه. فالفقرات القانونية التي تُساق ضد أصحاب الشهادات العليا توضح كيف يتم توظيف القانون لقمع الاحتياجات الأساسية، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى اتساع الفجوة بين الشباب ومؤسسات الدولة. وبدلاً من فتح قنوات حوار حقيقية لامتصاص غضب الفئات المهمشة، اختارت السلطة التونسية مسار الترهيب القانوني، وهو ما قد يولد انفجارًا اجتماعيًا لا يمكن التنبؤ بمدى تداعياته في ظل الظروف المعيشية القاسية التي تضرب تونس وأمريكا والعالم بأسره.

تراجع الحريات والعدالة الغائبة

يمثل المسار الحالي للحريات في تونس تراجعًا حادًا يعيد للأذهان حقبات من القمع والقبضة الحديدية التي ظن التونسيون أنهم تخلصوا منها. فالحقوق التي انتُزعت بالدماء والتضحيات تتآكل اليوم تحت وطأة المراسيم والقرارات الفوقية، حيث أصبح الحق في التعبير والاحتجاج السلمي رفاهية قد تؤدي بصاحبها إلى خلف القضبان. ووفقًا لمراقبين دوليين، فإن هذا التراجع لا ينفصل عن التدخلات الخارجية التي تحاول دعم أنظمة شمولية في المنطقة لضمان الاستقرار المزعوم على حساب الديمقراطية، وهي استراتيجية تزيد من تعقيد المشهد التونسي وتجعله رهينًا لتجاذبات دولية كبرى.

وعند النظر إلى مسار العدالة، نجد أن استقلال القضاء بات مهددًا بشكل مباشر، مما أفقد المواطن ثقته في قدرة المحاكم على حمايته من تعسف السلطة. وبحسب تقرير "منظمة العفو الدولية"، فإن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية أو استخدام القوانين الاستثنائية لمحاكمة المعارضين يمثل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية. هذا الانهيار في المنظومة الحقوقية لا يهدد فقط المعارضين والنشطاء، بل يمتد أثره ليشمل المجتمع ككل، حيث تسود حالة من الخوف والحذر تقيد الإبداع والمبادرة الشعبية، مما يدخل تونس في نفق مظلم من التضييق الذي لا يلوح في أفقه أي مخرج قريب دون تغيير جذري في العقلية التي تدير البلاد.

 

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال