حولت اعتدال ريان، السيدة الفلسطينية ذات الـ 29 عاما، عودتها إلى أرض غزة المدمرة بفعل قوات الاحتلال الصهيوني إلى انتصار شخصي على الغربة والإصابة.
عشقت اعتدال أرض غزة، ولم تثنيها صور الدمار الكلي الذي حل بقطاع غزة، ولا مرارة العيش في خيمة، من حزم أمتعتها والعودة إلى أحضان عائلتها التي تشتتت بفعل آلة الحرب الإسرائيلية منذ اندلاع شرارة الأحداث في أكتوبر 2023.
نشرت وكالة رويترز، قصة اعتدال في رحلة الألم والأمل؛ والتي غادرت القطاع مكرهة برفقة والدتها وأطفالها الثلاثة طلباً للعلاج في أمريكا ومصر.
وبعد إصابة بالغة في ساقها هددت الأطباء بضرورة بترها إن لم تجد رعاية طبية فورية، وهي الرعاية التي انعدمت تماماً في غزة جراء الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للمنظومة الصحية. وبعد شهور طويلة من العلاج في مصر، استعادت اعتدال قدرتها على المشي، لكن قلبها ظل عالقاً هناك، خلف الحدود التي يسيطر عليها جيش الاحتلال ويتحكم في أنفاس العابرين من خلالها.
رحلة اعتدال ريان من العريش إلى القطاع
انطلقت رحلة العودة من مدينة العريش في سيناء، حيث كان أطفال اعتدال -حنان وعز ومحمد- يحزمون حقائبهم بابتسامات عريضة لم تطفئها سنوات الحرب، مرتدين معاطفهم الشتوية استعداداً للقاء والدهم الذي لم يروه منذ مدة طويلة. وبحسب تقرير "رويترز"، فإن الطفلة حنان وضعت شريطاً ملوناً في شعرها احتفالاً بهذه اللحظة، مرددة مع إخوتها "هنروح على غزة"، في مشهد يعكس تجذر الهوية والارتباط بالأرض لدى الجيل الفلسطيني الصاعد، رغم كل محاولات التهجير القسري والضغوط العسكرية التي يمارسها الاحتلال بدعم مباشر من أمريكا.
طريق العودة لم يكن مفروشاً بالورود، بل كان محفوفاً بإجراءات تعسفية عند معبر رفح، الذي أعيد فتحه بشكل محدود جداً ضمن تفاهمات سياسية أشرف عليها الرئيس الحالي "دونالد ترامب" في إطار خطته لإنهاء الحرب. واضطرت العائلة لاجتياز ثلاث نقاط تفتيش مهينة، كان أقساها نقطة التفتيش التي تديرها قوات أمن الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتم التعامل مع الفلسطينيين العائدين بريبة وعدوانية، وسط تقارير تؤكد تعرض العائدين لعمليات استجواب ومضايقات ممنهجة، وهو ما تنفيه سلطات الاحتلال كالعادة للتغطية على ممارساتها التنكيلية.
عند وصولها إلى خان يونس في ساعة متأخرة من الليل، اصطدمت اعتدال بحجم الكارثة التي خلفها جيش الاحتلال؛ فالمناطق التي كانت تنبض بالحياة تحولت إلى مقابر من الركام والخرسانة. وبحسب وصفها لـ "رويترز"، فإن الصدمة كانت تفوق كل التوقعات، حيث قالت بمرارة: "ولا دار واقفة ولا شقة، كله دمار.. لا كهربا"، في إشارة واضحة لحجم الإبادة العمرانية التي تعرض لها القطاع. هذه المشاهد تعكس زيف الرواية الإسرائيلية التي تدعي استهداف مواقع عسكرية، بينما الواقع يؤكد مسح أحياء سكنية كاملة عن الخريطة.
زوجها أحمد، الذي استقبلهم بعناق طويل اختصر سنوات الحرمان، كشف عن واقع معيشي قاسٍ ينتظرهم؛ فمنزلهم الكبير في منطقة "الصفطاوي" شمال غزة دُمر بالكامل، ولم يعد أمامهم سوى الخيام في مدينة غزة كملجأ أخير. وأوضح أحمد لـ "رويترز" أنه تمكن بصعوبة بالغة من تدبير ثلاث فرشات فقط لتنام عليها العائلة المكونة من خمسة أفراد، في ظل ندرة حادة في الموارد الأساسية، وهي الأزمة التي تسببت فيها سياسة الحصار والتجويع التي يباركها الدور الأمريكي المباشر في إدارة الأزمة لصالح الاحتلال.
إصرار خلف الجراح
رغم أن معبر رفح شهد عودة 21 فلسطينياً فقط في ذلك اليوم، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بآلاف العالقين، إلا أن شهادات العائدين فضحت ممارسات الاحتلال داخل المعبر. ونقلت "رويترز" عن اعتدال مشاهداتها لتعذيب الشباب الفلسطينيين على أيدي قوات الاحتلال وجماعات محلية موالية لها، حيث وصفت كيف كان يتم تقييدهم وتغمية أعينهم والتحقيق معهم بشكل مهين، مما يثبت استمرار ارتكاب المجازر والانتهاكات بعيداً عن أعين الكاميرات، حتى في ظل الحديث عن اتفاقيات وقف إطلاق نار هشة يتم اختراقها يومياً.
وفي مواجهة التساؤلات عن سبب تركها لحياة الاستقرار في مصر والعودة إلى غزة المعزولة والمدمرة، تختصر اعتدال الإرادة الفلسطينية بقولها إن "الغربة صعبة"، وإن الحنين للأهل والوطن أقوى من صور الركام. هذه القناعة تؤكد فشل المشروع الإسرائيلي في دفع الفلسطينيين لليأس من أرضهم؛ فالحياة في غزة بالنسبة لهؤلاء العائدين تظل "حلوة" حتى فوق الأنقاض، وهو تحدٍ صارخ لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير أو الإبادة الجماعية التي بدأت فصولها الدامية في أكتوبر 2023.









