20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

فيضانات المغرب تُجلِي أكثر من 154 ألف شخص.. وتحذيرات من تصاعد "قطار العواصف"

تواصل الفيضانات اجتياح عدة مدن في المغرب، في مشهد طبيعي استثنائي يفرض نفسه بقوة على الواقع الميداني والسياسي والبيئي، ويدفع السلطات إلى إطلاق تحذيرات متكررة للسكان من العودة إلى المناطق المتضررة

بقلم: شيماء مصطفى
٧ فبراير ٢٠٢٦
7 دقائق قراءة
13 مشاهدة
رجل مسن يسير في شارع رئيسي غمرته المياه شمال غربي المغرب (الفرنسية)

رجل مسن يسير في شارع رئيسي غمرته المياه شمال غربي المغرب (الفرنسية)

تواصل الفيضانات اجتياح عدة مدن في المغرب، في مشهد طبيعي استثنائي يفرض نفسه بقوة على الواقع الميداني والسياسي والبيئي، ويدفع السلطات إلى إطلاق تحذيرات متكررة للسكان من العودة إلى المناطق المتضررة. هذا التصعيد المائي يتزامن مع موجة عواصف عنيفة تضرب جنوب أوروبا، ما يكشف عن ترابط جغرافي ومناخي بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط.

في هذا السياق، دعت وزارة الداخلية المغربية المواطنين إلى الالتزام بأقصى درجات اليقظة والحذر، وعدم العودة إلى المناطق المتضررة إلى حين تحسن الأوضاع، محذرة من استمرار المخاطر الهيدرولوجية وغياب مؤشرات على انحسار السيول، في ظل استمرار تدفقات المياه وامتلاء السدود.

ارتفاع المخاطر: السيول والسدود في معادلة مفتوحة

أكدت وزارة الداخلية، في بيان رسمي، أن المعطيات الميدانية والتوقعات الرصدية تشير إلى احتمال تفاقم الوضع وارتفاع منسوب المخاطر، في ظل استمرار تدفقات المياه وامتلاء السدود. ونشرت الوزارة مقطعًا مصورًا يُظهر ارتفاع مستوى المياه في مدينة القصر الكبير شمال البلاد، نتيجة تزايد تدفقات المياه القادمة من وادي اللوكوس.

ومنذ 28 يناير الماضي، تشهد أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان فيضانات واسعة، خاصة في مدينة القصر الكبير، عقب امتلاء سد واد المخازن بنسبة 156% من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه، وفق معطيات رسمية.

تسببت الأمطار الغزيرة التي تضرب المغرب في غرق وانهيار عشرات المنازل في عدد من الأقاليم الشمالية (رويترز)

انهيار المنازل واتساع دائرة الأضرار

الفيضانات لم تقتصر على ارتفاع منسوب المياه، بل انعكست مباشرة على البنية العمرانية والسكنية. فقد انهار 62 منزلًا جزئيًا أو كليًا في إقليم تطوان، وفق موقع "العمق المغربي"، فيما قال مسؤول محلي في إقليم شفشاون إن الفيضانات أدت إلى انهيار 30 منزلًا في دوار أغبالو بمنطقة تنقوب، من دون تسجيل خسائر بشرية بعد إجلاء السكان مسبقًا.

وأعلنت وزارة الداخلية، في بيان سابق، إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من الأقاليم المتضررة، ونقلهم إلى مراكز إيواء ومخيمات في مناطق آمنة داخل الأقاليم نفسها أو في مدن مجاورة، من بينها طنجة. وأكد متحدث الحكومة مصطفى بايتاس أن الفيضانات لم تسفر عن أي ضحايا حتى الآن، مشددًا على أن السلطات ستظل في حالة استعداد لاتخاذ جميع التدابير اللازمة.

حالة تأهب قصوى: اللون الأحمر على الخريطة

في تطور لافت، رفعت السلطات المغربية، اليوم السبت 7 فبراير 2026، درجة التأهب إلى اللون "الأحمر" في عدة أقاليم، تحسبًا لفيضانات واسعة النطاق قد تسببها تساقطات مطرية غزيرة جدًا. وأصدرت المديرية العامة للأرصاد الجوية نشرة إنذارية تحذر من وصول جبهات هوائية باردة ستؤدي إلى تشكل سيول جارفة في المناطق المنخفضة والوديان، خاصة في شمال ووسط المملكة.

وميدانيًا، بدأت فرق الوقاية المدنية المغربية بتجهيز المعدات الثقيلة في النقاط السوداء المعرضة للفيضانات، كما تم توجيه تعليمات للمواطنين في المناطق الجبلية بضرورة توخي الحيطة والحذر والابتعاد عن مجاري الأودية. وأفادت تقارير محلية بإغلاق مؤقت لبعض الطرق الثانوية في منطقة جبال الأطلس نتيجة تساقط الثلوج الكثيف الذي صاحب المنخفض الجوي.

إسبانيا في قلب العاصفة

على الضفة الأخرى من المتوسط، أخلت السلطات في جنوب إسبانيا آلاف السكان من المناطق السكنية المعرضة للخطر، بعد ارتفاع منسوب الأنهار وتزايد مخاطر الانهيارات الأرضية، في أعقاب اجتياح العاصفة "ليوناردو" شبه الجزيرة الأيبيرية.

واضطر أكثر من 7 آلاف شخص إلى مغادرة منازلهم في إقليم الأندلس، في ظل ما تصفه السلطات بـ"قطار العواصف"، وهو نمط من العواصف المتتالية التي ضربت البرتغال وإسبانيا خلال الأسابيع الماضية، مصحوبة بأمطار غزيرة ورياح قوية. وحذرت وكالة الأرصاد الجوية الحكومية الإسبانية من أن عاصفة جديدة تُدعى "مارتا" يُتوقع أن تضرب شبه الجزيرة، السبت، ما قد يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة إضافية وتفاقم الأوضاع.

كما أُخليت عدة مناطق سكنية قرب مجرى نهر جوادالكيفير في إقليم قرطبة، بعد الارتفاع الحاد في منسوب المياه، فيما جرى إجلاء نحو 1500 شخص من قرية جرازاليما الجبلية، عقب تسرب المياه إلى المنازل وتدفقها في الشوارع المرصوفة بالحجارة.

السلطات في جنوب إسبانيا أجلت آلاف السكان بعد ارتفاع منسوب الأنهار وتزايد مخاطر الانهيارات الأرضية (الفرنسية)

“قطار العواصف”: ظاهرة مناخية تتجاوز الحدود

ظاهرة "قطار العواصف" لم تعد مجرد توصيف إعلامي، بل تحولت إلى مؤشر على تحولات مناخية عميقة تضرب حوض المتوسط. وقد أعربت السلطات الإسبانية عن قلقها البالغ من وصول هذه السلسلة المتتابعة من المنخفضات الأطلسية العملاقة، محذرة من ارتفاع منسوب مياه البحر وتضرر البنية التحتية في المدن الساحلية بين المغرب وإسبانيا.

هذا الترابط بين ما يحدث في المغرب وإسبانيا يعكس حقيقة أن الكوارث الطبيعية لم تعد محلية، بل باتت عابرة للحدود، وتفرض مقاربة إقليمية جديدة لإدارة المخاطر البيئية.

المغرب بين الطبيعة والسياسة المائية

ما يواجهه المغرب اليوم ليس مجرد أزمة طارئة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة التوازن بين وفرة المياه وخطرها. امتلاء السدود بنسبة تفوق طاقتها، وتدفق السيول بشكل غير مسبوق، يكشفان عن مفارقة بيئية: وفرة المياه تتحول إلى تهديد إذا لم تُدار ضمن منظومة متكاملة للبنية التحتية والتخطيط الحضري.

كما أن حجم عمليات الإجلاء التي تجاوزت 154 ألف شخص يعكس اتساع نطاق الأزمة، ويطرح أسئلة حول جاهزية المدن والقرى لمواجهة سيناريوهات مناخية متطرفة، في ظل تغيرات مناخية متسارعة.

المتوسط في مواجهة التغير المناخي

يرى محللون أن حدة هذه العواصف في فبراير 2026 تعكس التغيرات المناخية المتطرفة التي باتت تضرب حوض البحر الأبيض المتوسط، ما يتطلب تعاونًا دوليًا أسرع في مجالات الإنذار المبكر وإدارة الكوارث الطبيعية لتجنب الخسائر البشرية والمادية.

في هذا السياق، يتحول المغرب من دولة تواجه فيضانات محلية إلى جزء من معادلة مناخية إقليمية، حيث تتقاطع العواصف الأطلسية مع هشاشة البنية التحتية، وتتداخل الجغرافيا مع السياسة البيئية، في مشهد يعيد تعريف مفهوم الأمن المناخي في المنطقة.

المغرب في قلب معركة المناخ

الفيضانات التي تضرب المغرب اليوم ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا على مرحلة جديدة من التحديات المناخية التي ستفرض نفسها بقوة على السياسات العامة والبنية التحتية وإدارة الموارد. 

وبين تحذيرات السلطات، وارتفاع منسوب المخاطر، واتساع دائرة العواصف في المتوسط، يبدو أن المغرب يقف في قلب معركة مفتوحة مع الطبيعة، حيث لم يعد السؤال هو كيف نتعامل مع الكوارث، بل كيف نستعد لعصر تتكرر فيه الكوارث بوتيرة غير مسبوقة.

شيماء مصطفى

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال