نظم المئات من أهالي مدينة "أم الفحم" والمنطقة في الداخل الفلسطيني المحتل، عصر اليوم السبت، وقفة احتجاجية حاشدة تنديداً باستفحال ظاهرة الجريمة المنظمة وتصاعد جرائم القتل التي باتت تحصد أرواح الفلسطينيين بشكل شبه يومي.
وجاءت هذه الوقفة، التي أقيمت على "الدوار الأول" بالمدينة، بدعوة من اللجنة الشعبية في أم الفحم، لتشكل حلقة جديدة في سلسلة من الخطوات النضالية التي أقرتها الهيئات الشعبية والقطرية لمواجهة هذا التهديد الوجودي.
ورفع المتظاهرون لافتات وشعارات تتهم مباشرة سلطات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزتها الأمنية بالتواطؤ المتعمد في انتشار السلاح غير المرخص داخل البلدات العربية، مؤكدين أن الصمت الرسمي الإسرائيلي ليس مجرد "تقاعس" بل هو "رعاية مبطنة" لعصابات الإجرام التي تستهدف تفتيت النسيج الاجتماعي الفلسطيني وإغراق المجتمع في دوامة من الثأر والعنف الداخلي.
أرقام صادمة ومؤشرات خطيرة
تعكس لغة الأرقام حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل المحتل منذ مطلع العام الجاري 2026، حيث تشير الإحصائيات الرسمية والشعبية إلى مقتل 35 فلسطينياً في جرائم قتل بشعة، من بينهم 9 ضحايا سقطوا منذ بداية شهر شباط/ فبراير الجاري، بينما سجل شهر كانون الثاني/ يناير الماضي حصيلة ثقيلة بلغت 26 قتيلاً.
هذه الأرقام تأتي امتداداً لعام 2025 الكارثي، الذي سجل حصيلة غير مسبوقة في تاريخ الداخل الفلسطيني بواقع 252 ضحية.
ويرى المراقبون أن هذه القفزة الهائلة في أعداد القتلى ليست مجرد صدفة إحصائية، بل هي نتيجة مباشرة لرفع الغطاء الأمني عن البلدات العربية، وترك عصابات الإجرام المنظمة تتحكم في مصير المواطنين العزل تحت سمع وبصر شرطة الاحتلال التي تثبت كفاءتها فقط عندما يتعلق الأمر بملاحقة الناشطين السياسيين أو قمع المظاهرات الوطنية.
اتهام بالتمكين والتواطؤ
تركزت شعارات المتظاهرين في أم الفحم اليوم على نقطة جوهرية، وهي "التواطؤ الأمني"، حيث يجمع الخبراء والمحللون في الداخل على أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تمتلك القدرة والتقنيات اللازمة لاستئصال شأفة الجريمة وجمع السلاح غير المرخص في غضون أيام، إلا أنها تفضل ترك هذه الأسلحة تجوب الشوارع العربية لغايات سياسية خبيثة.
وتؤكد اللجنة الشعبية أن السلاح المستخدم في جرائم القتل غالباً ما يكون مسرباً من مخازن جيش الاحتلال، ومع ذلك لا يتم تتبع هذه الأسلحة أو معاقبة المهربين.
إن هذه السياسة تهدف إلى خلق حالة من انعدام الأمن الشخصي لدى المواطن الفلسطيني في الداخل، مما يدفعه نحو الهجرة أو الانشغال بالهموم اليومية وتأمين حياته بعيداً عن العمل الوطني والسياسي، وهو ما يصفه النشطاء بـ "الحرب الناعمة" التي يشنها الاحتلال لتفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل.
خطوات تصعيدية وشعبية
لم تقف القيادات الشعبية والوطنية في الداخل المحتل مكتوفة الأيدي أمام هذا الواقع المظلم، حيث انطلقت منذ مطلع العام الجاري خطوات احتجاجية تصعيدية كبرى بقرار شعبي موحد.
وتضمنت هذه الخطوات إضرابات شاملة عمت كافة البلدات العربية، بالإضافة إلى مظاهرتين قطريتين حاشدتين في مدينتي سخنين وتل أبيب، شارك فيهما عشرات الآلاف من المتظاهرين الذين رفعوا شعاراً واحداً: "الشرطة متواطئة.. الجريمة منظمة والدم فلسطيني".
وتأتي وقفة أم الفحم اليوم لتؤكد أن الحراك الشعبي لن يتوقف، وأن الجماهير الفلسطينية في الداخل عازمة على انتزاع حقها في الأمن والأمان ورفض كافة أشكال الوصاية الأمنية التي تحمي المجرم وتلاحق الضحية، في معركة وعي وطني تهدف إلى تطهير المجتمع من السلاح المشبوه وإعادة الاعتبار للقيم الوطنية والاجتماعية.
حماية المجتمع الفلسطيني مسؤولية وطنية في وجه التصفية
تمثل وقفة أم الفحم اليوم صرخة إنذار أخيرة تجاه ما يتعرض له الوجود الفلسطيني في الداخل المحتل. إن استمرار الجريمة المنظمة بهذه الوتيرة المتصاعدة يضع كافة الهيئات الدولية والحقوقية أمام مسؤولياتها تجاه شعب أعزل يواجه "إرهاباً مدنياً" برعاية دولة الاحتلال.
إن الرهان اليوم هو على وحدة الصف الفلسطيني في الداخل وعلى قدرة اللجان الشعبية في بناء "أمن مجتمعي ذاتي" يحمي الناس بعيداً عن أجهزة الاحتلال المتواطئة وإن المعركة ضد الجريمة في أم الفحم والناصرة والنقب والجليل هي معركة بقاء وطني، ولن ينجح السلاح المأجور في كسر إرادة فلسطينيي الداخل الذين يثبتون في كل مرة أنهم جزء لا يتجزأ من المشروع الوطني الفلسطيني، وأن دمائهم ليست رخيصة، وصمودهم في أرضهم أقوى من رصاص الغدر والتواطؤ.







