كشفت فيضانات المغرب الاستثنائية التي اجتاحت أقاليم الشمال الغربي في المغرب عن وجه مرعب للتغيرات المناخية، حيث تحولت أمطار الخير إلى كابوس خلف ورائه أكثر من 150 ألف مواطن من أربعة أقاليم منكوبة.
هذه الكارثة لم تكن مجرد حدث جوي عابر، بل برهنت بوضوح على وجود قصور حاد في الجاهزية الحكومية وضعف ملموس في إدارة الأزمات لدى المؤسسات المغربية، التي بدت عاجزة عن التغطية الاستباقية لآثار الكوارث الطبيعية وتوفير حماية مستدامة للمناطق القروية الهشة.
وفي قلب هذه المأساة، تبرز قصة "كاسية السلامي"، السيدة التي بلغت من العمر 67 عاما، والتي وجدت نفسها تطارد الأمان بعد أن صدحت مكبرات الصوت في مساجد قريتها بجهة الغرب داعية السكان لإخلاء منازلهم فورا.
تصف كاسية لوكالة "فرانس برس" لحظات الرعب التي عاشتها وهي تفرش بطانية بسيطة أمام خيمتها الزرقاء في مخيم مؤقت، مؤكدة أن الخوف تملك الجميع، لا سيما على الأطفال الذين واجهوا مصيراً مجهولاً وسط الأمطار المنهمرة والسيول التي لم ترحم أحداً.
مخيمات زرقاء وجروح مفتوحة
بالقرب من مدينة القنيطرة، وتحديداً على بعد حوالي خمسين كيلومتراً شمال العاصمة الرباط، أقامت السلطات مخيماً واسعاً يمتد بطلائه الأزرق على مد البصر، ليتحول إلى ملاذ اضطراري لآلاف العائلات التي جرفتها السيول من قراها. وبحسب التقارير الميدانية، فقد استقبل هذا المخيم وحده ما يزيد عن 7800 عائلة، تضم في ثناياها أكثر من 38700 شخص، يعيشون اليوم حالة من الترقب والقلق وسط ظروف قاسية، حيث لا يزال منسوب المياه يرتفع في قراهم الأصلية، مما يجعل العودة في الوقت الراهن حلمًا بعيد المنال.
هذه العائلات النازحة تتقاسم اليوم تفاصيل حياة يومية مريرة، حيث تكتظ الخيام بمعدات بسيطة استطاعوا إنقاذها من براثن المياه، بينما تحاول السلطات المحلية في إقليم القنيطرة تقديم بعض المساعدات الغذائية والأفرشة. ومع ذلك، يظل الضغط النفسي والمادي سيد الموقف، خاصة في ظل توقعات المديرية العامة للأرصاد الجوية المغربية باستمرار العواصف الرعدية وهطول الأمطار الغزيرة المصحوبة بالبرد والرياح القوية، مما يهدد بتفاقم الوضع الإنساني المتدهور أصلاً داخل تلك المخيمات المؤقتة.
تدخلات الإنقاذ ومعضلة الجاهزية
لم يكن الوصول إلى المتضررين بالأمر اليسير، حيث اضطرت قوات الدرك الملكي وعناصر الوقاية المدنية لاستخدام القوارب الصغيرة والدراجات المائية لانتشال الأطفال وكبار السن الذين حوصروا فوق أسطح منازلهم.
وفي ظل انقطاع الطرق المغمورة تماماً بالمياه، تم الاعتماد على المروحيات العسكرية لتوزيع المساعدات الإنسانية على المناطق المعزولة، وهي مشاهد تعكس حجم الكارثة التي باغتت السلطات، والتي أدت وفقاً لإعلانات رسمية في تطوان إلى مصرع أربعة أشخاص بعدما جرفت السيول سيارتهم في مشهد مأساوي.
ورغم هذه الجهود، تظل التساؤلات مطروحة حول كفاءة الإدارة المغربية في التعامل مع هذه الظروف الجوية التي وصفتها وزارة التجهيز والماء بأنها "استثنائية".
فالمعطيات تشير إلى أن كميات الأمطار في الأشهر الخمسة الماضية تجاوزت المتوسط السنوي لعشر سنوات كاملة، وجاءت بعد سبع سنوات عجاف من الجفاف الشديد، مما يطرح علامات استفهام حول أسباب غياب البنية التحتية القادرة على تصريف هذه المياه أو تخزينها دون أن تتحول إلى أداة تدمير شامل للممتلكات والأرواح.
الحياة وسط الحظائر المؤقتة
داخل المخيمات، بدأت ملامح حياة قروية هجينة تتشكل، حيث لم يقتصر الإخلاء على البشر بل شمل حتى الماشية التي تمثل رأس مال الفلاحين البسيط، فانتشرت حظائر الأبقار والخيول والأغنام بجوار خيام النازحين. ويحاول أطباء بيطريون تقديم العلاجات اللازمة للحيوانات المنهكة، بينما يصطف البشر في طوابير طويلة أمام العيادات المتنقلة لعلاج الإصابات الطفيفة والأمراض الناتجة عن البرد والرطوبة، في مشهد يختصر حجم المأساة التي ضربت العمق القروي المغربي في مطلع عام 2026.
يروي علي العوني، وهو نازح ستيني من بلدة قريبة من القنيطرة، معاناته وهو يجلس بين أواني الشاي البسيطة في خيمته، واصفاً كيف ارتفع منسوب المياه إلى متر ونصف داخل منزله، مما اضطر أطفاله للعيش في رعب دائم. وبينما قرر ابنه الأكبر البقاء في القرية لحراسة ما تبقى من ممتلكات، يظل التواصل عبر الهاتف هو الخيط الوحيد الذي يربطهم بأرضهم، وسط أخبار محبطة تفيد بأن المياه لم تتراجع بعد، وأن شبح الغرق لا يزال يطارد جدران بيوتهم الطينية والأسمنتية.
لم يكن المغرب وحده في مواجهة هذا الطقس المتطرف، فقد شهدت إسبانيا والبرتغال ظروفاً مشابهة، حيث أرجعت الأرصاد الجوية المغربية السبب إلى التقاء كتل هوائية باردة قادمة من الشمال مع كتل دافئة ورطبة من الجنوب. هذا التفسير العلمي لا يخفف من وطأة الواقع على الأرض، حيث تحولت مساحات شاسعة إلى بحيرات ممتدة لا يظهر منها سوى قمم الأشجار، مما أدى إلى شلل كامل في حركة المرور بين المدن الكبرى مثل القنيطرة وطنجة عبر الطرق الوطنية، وحصر التنقل في الطريق السيار فقط.
تؤكد هذه الأزمة أن العالم، وبما فيه المنطقة العربية وشمال أفريقيا، يعيش تحت وطأة تقلبات مناخية تتطلب سياسات أكثر حزماً وجاهزية، بعيداً عن التبريرات التي تلقي باللوم على "فجائية" الحدث. فالمواطن المغربي في قرى "أولاد عامر" وغيرها، يجد نفسه اليوم يدفع ثمن ضعف التخطيط العمراني وغياب المجاري المائية القادرة على استيعاب الفائض، ليبقى معلقاً بين ذكريات بيته الغارق وخيمة زرقاء لا تقي من برد الشتاء، في انتظار "رحمة" السماء وتوقف الأمطار ليعود لترميم ما دمره الطوفان.








