4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

كيف يحوّل الاحتلال خروقات النار ومعبر رفح إلى سلاح ضغط مفتوح على غزة؟

رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها الميدانية بوتيرة لافتة، عبر عمليات نسف ممنهجة لمبانٍ سكنية وتجريف أراضٍ، إلى جانب إطلاق نار متكرر يستهدف مناطق متفرقة من القطاع.

بقلم: سماح عثمان
٩ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
19 مشاهدة
غزة

غزة

رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاتها الميدانية بوتيرة لافتة، عبر عمليات نسف ممنهجة لمبانٍ سكنية وتجريف أراضٍ، إلى جانب إطلاق نار متكرر يستهدف مناطق متفرقة من القطاع.

هذا السلوك لا يمكن فصله عن عقيدة عسكرية إسرائيلية ترى في “الهدنة” مرحلة إعادة تموضع وليست التزامًا سياسيًا أو قانونيًا، وهو ما يفسر ارتفاع أعداد الشهداء حتى في الفترات التي يُفترض أنها أقل حدة من حيث الاشتباك العسكري، بحسب بيانات وزارة الصحة في غزة وتقارير ميدانية نشرتها وسائل إعلام دولية.

من زاوية أمنية–عسكرية، يعكس هذا النمط محاولة الاحتلال فرض معادلة ردع ميداني منخفض الكلفة، تقوم على استنزاف البيئة المدنية وإبقاء الجبهة الداخلية الفلسطينية تحت ضغط دائم، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفرض عليه أثمانًا سياسية أو عسكرية أكبر.

فالاحتلال يدرك أن الهدنة علي غزة  تُراقَب دوليًا، لكنه في الوقت نفسه يراهن على هشاشتها، وعلى العجز الدولي عن فرض آليات مساءلة حقيقية، مستندًا إلى غطاء سياسي أمريكي واضح، لعبت فيه أمريكا دور الضامن غير المعلن للسلوك الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023.

التصعيد في غزة 

التصعيد المتواصل علي غزة رغم الهدنة يحمل دلالات عسكرية تتجاوز فكرة “الخروقات العرضية”. فعمليات النسف والاستهداف المحدود تُستخدم كوسيلة لاختبار قدرات الفصائل الفلسطينية على إعادة التنظيم، وجسّ نبضها الاستخباري، ورصد أي تحركات قد تُفسَّر إسرائيليًا على أنها استعداد لمرحلة قتال جديدة. هذا السلوك يندرج ضمن ما تسميه العقيدة العسكرية الإسرائيلية “الحرب بين الحروب”، حيث تُدار المواجهة بشكل متقطع، لكن محسوب بدقة.

في الوقت ذاته، يسعى الاحتلال إلى تكريس واقع أمني جديد في غزة، يُفرغ مفهوم الهدنة من مضمونه العملي، ويحوّله إلى مجرد إطار زمني فضفاض يسمح له بالتحرك متى شاء. هذا النهج يهدف إلى كسر أي شعور بالاستقرار لدى الفلسطينيين، وإرسال رسالة مفادها أن السيطرة الميدانية  عل قطاع غزة لا تزال بيد الجيش الإسرائيلي، وأن أي تهدئة لا تعني وقف أدوات القتل أو التدمير، بل إعادة توزيعها زمانيًا ومكانيًا.

معبر رفح تحت السيطرة

دخول معبر رفح أسبوعه الثاني من الفتح “المقيّد” يكشف بوضوح عن كيفية توظيف الاحتلال للأدوات الإنسانية في خدمته الأمنية. فالمعبر، الذي يُفترض أن يكون شريان حياة لسكان القطاع، يُدار عمليًا وفق حسابات إسرائيلية دقيقة، تحدد من يمر، ومتى، وبأي أعداد، وتحت أي شروط أمنية. هذا التحكم لا ينفصل عن التصعيد الميداني، بل يُكمله، عبر استخدام المعبر كورقة ضغط إضافية على المجتمع الفلسطيني.

من منظور أمني، يسعى الاحتلال إلى تحويل معبر رفح إلى صمام تحكم غير مباشر في الداخل الغزي، عبر ربط تخفيف القيود بمستوى “الهدوء” الذي يحدده هو وحده. هذه السياسة تُفرغ أي حديث عن تسهيلات إنسانية من معناه، وتُظهر أن الاحتلال يتعامل مع المعابر باعتبارها جزءًا من منظومة الردع الشامل، لا كالتزام قانوني أو أخلاقي. تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية أكدت أن هذا النمط من الإدارة يُستخدم للابتزاز السياسي، وليس لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة.

الرسائل الإسرائيلية

الرسالة الأساسية التي يحاول الاحتلال إيصالها من خلال الجمع بين التصعيد والفتح المقيّد لمعبر رفح، هي أن الهدنة ليست سوى أداة لإدارة الصراع، لا لإنهائه. عسكريًا، يريد أن يثبت أن قدرته على الفعل لم تتراجع، وأنه ما زال قادرًا على فرض معادلاته بالقوة، حتى في ظل ضغوط دولية شكلية. سياسيًا، يسعى إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر خلق واقع ميداني ضاغط، يُضعف أي موقف فلسطيني في أي مسار سياسي محتمل.

في هذا السياق، يبرز الدور الأمريكي بوصفه عنصرًا حاسمًا في استمرار هذا السلوك. فالدعم السياسي والعسكري الذي توفره أمريكا للاحتلال، في ظل رئاسة دونالد ترامب الحالية، يمنح تل أبيب هامش حركة واسعًا لتجاوز الهدنة دون خشية من عقوبات جدية. هذا الغطاء يعزز زيف الرواية الإسرائيلية التي تدّعي الالتزام بالتهدئة، بينما الوقائع على الأرض، منذ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، تؤكد أن المجازر وسياسات القتل البطيء لم تتوقف، بل أعيدت صياغتها بأساليب أقل ضجيجًا وأكثر خطورة على المدى البعيد.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

كيف يحوّل الاحتلال خروقات النار ومعبر رفح إلى سلاح ضغط مفتوح على غزة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°