استعرضت الدكتورة أميرة فؤاد النحال، الباحثة والكاتبة في الشأن السياسي، المشهد المأساوي الذي يحيط بقضية الأسرى الفلسطينيين، معتبرة أن اعتصام الأهالي أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة يمثل إعلاناً أخلاقياً مدوياً عن انهيار الثقة في فاعلية المنظومة الإنسانية الدولية.
وأوضحت النحال في حديث خاص لموقع "180 تحقيقات"، أن هذا التحرك ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو "استدعاء للقانون إلى الميدان"، حيث يتحول النص الدولي من وثيقة أرشيفية إلى مطلب ملح في ساحة عامة، ومن منظور القانون الدولي الإنساني، يمارس الأهالي حقاً أصيلاً في المطالبة بتطبيق ضمانات اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، مؤكدة أن حماية الأسرى وتمكينهم من التواصل مع ذويهم هو التزام قانوني لا يسقط أبداً تحت أي ذرائع تتعلق بالأمن القومي أو ضرورات الحرب.
ولاية الصليب الأحمر بين النص والفاعلية
ترى الدكتورة أميرة النحال أن الإشكال الجوهري يكمن في المسافة الفاصلة بين الولاية القانونية الممنوحة للصليب الأحمر وبين فاعليتها العملية على الأرض، وهي مسافة اتسعت بشكل مخيف بفعل التعقيدات السياسية والقيود الميدانية المفروضة.
وشددت على أن اللجنة الدولية ليست طرفاً سياسياً، بل هي جهة مخولة بالوصول للأسرى وتقييم ظروفهم، غير أن سياسة "السرية" التي تعتمدها كأداة تفاوضية بدأت تتحول إلى موضع مساءلة أخلاقية حينما تصبح هذه السرية غاية في حد ذاتها بينما تتآكل الحماية الفعلية للإنسان، وأضافت النحال أن الصمت في سياق الخطر الوشيك وتهديد حياة الأسرى بالتعذيب أو الإهمال الطبي يخرج عن دائرة "الحياد" ليدخل في دائرة المسؤولية عن "واجب التحذير الإنساني".
الاختبار الأخلاقي للنظام الدولي
تطرقت الدكتورة أميرة النحال إلى التقارير الواردة حول استعداد مصلحة السجون الإسرائيلية لتنفيذ أحكام إعدام بحق أسرى فلسطينيين، واصفة إياها باللحظة القانونية الفارقة التي تختبر البنية الأخلاقية للنظام العالمي برمته.
وأوضحت أن أي محاكمة تفتقر لضمانات الدفاع الصارمة أو استقلال القضاء في سياق احتلال ممتد هي "انتقام مقنع بعباءة القانون"، وفي حال تنفيذ هذه الأحكام دون استيفاء معايير المحاكمة العادلة، فإننا نكون أمام "جريمة حرب" مكتملة الأركان (القتل العمد للأشخاص المحميين)، بل قد يرقى الأمر إلى "جريمة ضد الإنسانية" إذا جاءت هذه الإعدامات ضمن سياسة منهجية وواسعة النطاق تستهدف جماعة قومية محددة وفقاً لنظام روما الأساسي.
مفهوم عقوبة الردع الاستعراضي
حذرت الباحثة السياسية من تحول عقوبة الإعدام إلى أداة ضمن "بنية قسرية" تهدف إلى التخويف الجماعي، وهو ما أسمته "عقوبة الردع الاستعراضي"، حيث يتم استخدام الإعدام كرسالة سياسية لجمهور أوسع بدلاً من كونه جزاءً فردياً محكوماً بوقائع محددة، وهذا التحول الهيكلي ينقل الفعل من دائرة القانون الجنائي الوطني إلى فضاء المساءلة الدولية.
وأكدت النحال أن الحق في الحياة هو حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي، وأي تلاعب بهذا الحق تحت مسمى "سيادة القانون" في ظل الاحتلال هو اختبار لمدى قدرة القواعد الدولية على الصمود حين تصبح حياة البشر على حافة الهاوية.
تفعيل آليات الحماية العاجلة
في ختام حديثها لـ"180 تحقيقات"، رسمت الدكتورة أميرة النحال خارطة طريق لما أسمته "الدبلوماسية القضائية الطارئة" لمواجهة تنفيذ أحكام الإعدام، وتبدأ هذه المنظومة بالطعون الداخلية لاستنفاد درجات التقاضي وتجميد التنفيذ، تليها التحركات الدولية عبر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان لطلب تدابير مؤقتة، وصولاً إلى إحالة الملفات موثقة إلى المحكمة الجنائية الدولية لإنتاج أثر رادع، كما شددت على أهمية دور المقررين الخاصين بالأمم المتحدة في إصدار نداءات عاجلة تُسجل كوثائق إدانة في مجلس حقوق الإنسان، مما يرفع الكلفة السياسية والدبلوماسية لأي قرار أحمق قد تتخذه سلطة الاحتلال.
الولاية القضائية والتحالفات العابرة للحدود
أكدت النحال أن تفعيل مبدأ "الولاية القضائية العالمية" يمثل تهديداً قانونياً مستقبلياً لصناع القرار، حيث يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية أمام محاكم وطنية في دول أخرى، كما دعت إلى بناء تحالفات حقوقية عابرة للحدود تربط بين المؤسسات الفلسطينية والدولية لإطلاق حملات قانونية وإعلامية متزامنة، تختم الدكتورة حديثها بالتأكيد على أن كل مذكرة قانونية عاجلة وكل صرخة من أهالي الأسرى هي بمثابة جدار يُشيد بين "الحكم والحبل"، مشددة على أن الصراع اليوم هو صراع على تعريف الإنسانية ذاتها في زمن الحرب، وأنه لا بديل عن تحويل كل ساعة تمر إلى مساحة للمقاومة القانونية الشرسة.









