شهد مطلع عام 2026 تسارعاً ملحوظاً في وتيرة المفاوضات الرامية إلى دمج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية، حيث انتقل الحوار من مرحلة "جس النبض" إلى مرحلة وضع الجداول الزمنية والترتيبات اللوجستية.
وتأتي هذه التطورات في ظل رغبة وطنية سورية مدعومة بضغوط إقليمية ودولية لإنهاء حالة الانقسام العسكري وبسط سيادة الدولة على كامل الجغرافيا السورية، وخاصة في مناطق شرق الفرات الغنية بالثروات.
وتتركز النقاشات الحالية حول كيفية استيعاب عشرات الآلاف من المقاتلين ضمن هيكلية الجيش العربي السوري، مع مراعاة الخصوصيات الميدانية وتطبيق القوانين العسكرية النافذة، وهو ما يعتبره مراقبون "الخطوة الأهم" نحو إعلان استقرار سوريا النهائي وإعادة إطلاق عجلة الإعمار الشاملة في المناطق التي ظلت لسنوات خارج سيطرة المركز.
الشروط والضمانات في ملف الدمج العسكري
تمثل عملية دمج "قسد" في المؤسسة العسكرية السورية تحدياً تقنياً وسياسياً معقداً، حيث تطالب دمشق بدمج المقاتلين كأفراد ضمن تشكيلات الجيش القائمة لضمان وحدة القيادة والقرار، بينما تميل قيادات "قسد" إلى الاحتفاظ بنوع من الاستقلالية الإدارية أو التمركز الجغرافي في مناطقها الأصلية ضمن تشكيلات تتبع وزارة الدفاع اسمياً.
وفي عام 2026، برزت مقترحات بوساطة دولية تقضي بإنشاء "الفيلق السادس" أو توسيع "الفيلق الخامس" لاستيعاب هذه القوات بصيغة تضمن ولاءها للدولة السورية مع الحفاظ على خبراتها القتالية المكتسبة في محاربة تنظيم داعش.
دمج الإدارة الذاتية في الهيكل الإداري للدولة
لا يقتصر ملف الدمج على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل المؤسسات المدنية والخدمية التي أدارتها "الإدارة الذاتية" لسنوات، وتتجه التطورات في عام 2026 نحو تفعيل "قانون الإدارة المحلية" السوري (المرسوم 107) بشكل موسع، بما يمنح صلاحيات إدارية وخدمية للمحافظات في شمال وشرق سوريا تحت مظلة السيادة المركزية ويشمل ذلك دمج قطاعات الصحة والتعليم والقضاء والشرطة المحلية (الأسايش) في وزارات الدولة المعنية.
وتعد هذه الخطوة حاسمة لاستعادة الخدمات الأساسية وتوحيد المناهج الدراسية والمنظومة القضائية، مما ينهي حالة "ازدواجية السلطة" التي أرهقت كاهل المواطن السوري في تلك المناطق، كما أن عودة المؤسسات الرسمية تعني استعادة الدولة لإدارة حقول النفط والغاز، مما سينعكس إيجاباً على الواقع الاقتصادي وسعر صرف الليرة السورية وتوفير المشتقات النفطية في كافة المحافظات.
الأبعاد السياسية والاقتصادية لعودة السيادة
يرتبط نجاح دمج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية بمدى التوافق على توزيع الثروات الوطنية وضمان التمثيل السياسي العادل لكافة مكونات الشعب السوري في إطار الوحدة الوطنية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن عودة المناطق الشرقية لحضن الدولة تعني استعادة "سلة سوريا الغذائية" (القمح والقطن) بالإضافة إلى موارد الطاقة، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويخفف من وطأة العقوبات الخارجية، وسياسياً، فإن هذا الدمج يغلق الباب أمام المشاريع الانفصالية أو التدخلات الأجنبية التي استغلت الفراغ السيادي في تلك المناطق.
ويؤكد المراقبون أنه يمثل "عام الحسم الإداري"، حيث أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد يخدم أياً من الأطراف، خاصة مع تزايد التحديات الأمنية على الحدود والحاجة الماسة لتوحيد الجهد الوطني لمكافحة الخلايا النائمة للتنظيمات الإرهابية.
دور القوى الفاعلة في تيسير الاتفاق
يلعب الدور الروسي دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين دمشق وقيادات "قسد"، حيث تعمل موسكو كضامن ميداني وسياسي لعملية الانتقال التدريجي للسلطة ودمج القوات، وفي الوقت ذاته، تفرض المتغيرات الدولية في عام 2026، بما في ذلك التفاهمات الإقليمية الجديدة، ضغوطاً على كافة الأطراف للوصول إلى "تسوية وطنية شاملة".
إن دمج "قسد" في مؤسسات الدولة لا يعني انتهاء التحديات، بل هو بداية لمرحلة جديدة من العمل الأمني المشترك لحماية الحدود، وتبرز أهمية هذا الدمج في سحب الذرائع من القوى الإقليمية التي تلوح بالتدخل العسكري بحجة حماية أمنها القومي، حيث أن وجود الجيش العربي السوري والمؤسسات الرسمية على كامل الحدود الدولية كفيل بتبديد هذه المخاوف وفرض الاستقرار الدائم.
سوريا نحو المستقبل
يظهر جلياً أن خيار الدمج في مؤسسات الدولة السورية لعام 2026 هو الخيار الوحيد القابل للحياة لضمان مستقبل آمن لسوريا، إن مقاتلي "قسد" والموظفين في مؤسساتها المدنية هم في النهاية مواطنون سوريون، وعودتهم إلى كنف الدولة تمثل انتصاراً لمنطق المؤسسات على منطق الميليشيات، ويتطلع السوريون في العام الحالي إلى رؤية نتائج هذه التفاهمات على أرض الواقع من خلال تحسن الخدمات، وعودة المهجرين إلى قراهم، وانتهاء مظاهر التسلح غير المنضبط، إن الدولة السورية بمؤسساتها العريقة أثبتت قدرتها على الصمود، واستيعاب كافة القوى الوطنية تحت راية واحدة هو الضمانة الأكيدة لمنع تكرار مآسي الماضي وبناء سوريا قوية، موحدة، وذات سيادة لا تقبل التجزئة.








