في قراءة تحليلية لتداعيات الأزمة الإنسانية المتفاقمة، أكد الدكتور محمد جمال الشعيبي، أستاذ المالية العامة والاقتصاد السياسي بجامعة عدن، أن تحذيرات الأمم المتحدة الأخيرة بشأن تفاقم انعدام الأمن الغذائي لا ينبغي أن تُقرأ كمجرد مؤشر إنساني تقليدي، بل هي رسالة سياسية ضمنية تحمل دلالات استراتيجية عميقة.
وفي تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أوضح الشعيبي أن التقرير الأممي يمثل في جوهره "اتهاماً سياسياً ناعماً" لمنظومة دولية ومحلية كاملة أخفقت في الربط العضوي بين تحقيق السلام وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية وإن استمرار الجوع في بيئات الصراع، بحسب الشعيبي، هو الدليل الأبرز على فشل النخب السياسية، حيث لا يُقاس نجاح أي تسوية بتوقيع الاتفاقات في الغرف المغلقة، بل بقدرتها الفعلية على إخراج المواطن البسيط من دائرة الفقر والجوع الممنهج.
الجوع كمقوض للشرعية السياسية وفجوة بين النخبة والواقع
يرى الشعيبي أن أي مسار سياسي لا ينعكس أثره بشكل مباشر وملموس على حياة الناس اليومية، وخاصة في ملف الغذاء الحيوي، سيُنظر إليه شعبياً كمسار نخبوي منفصل تماماً عن الواقع المعاش، هذا الانفصال ينسف الشرعية السياسية لأي سلطة أو كيان، ويجعل من الاتفاقات السياسية مجرد حبر على ورق في نظر الجائعين. إن غياب "أمن المائدة" يخلق فجوة ثقة هائلة بين المواطن وصناع القرار، مما يجعل أي بناء سياسي قادم هشاً ومؤقتاً، وقابلاً للانهيار التام عند أول اختبار واقعي على الأرض، لأن الإنسان الذي يفتقر لأدنى مقومات البقاء لن يجد دافعاً للدفاع عن نظام سياسي لا يؤمن له لقمة العيش.
الهشاشة الاجتماعية.. الجائع كحلقة ضعيفة في العقد الاجتماعي الجديد
وفي سياق تحليله للاقتصاد السياسي للنزاعات، حذر الشعيبي من أن انعدام الأمن الغذائي يخلق بيئة خصبة لإفشال أي تسوية مستقبلية، فالإنسان الجائع، يكون دائماً "أقل قدرة على منح الثقة" للأطراف السياسية، و"أكثر قابلية للاستقطاب" نحو العنف والعمل المسلح كوسيلة للبقاء أو التعبير عن السخط، هذا الوضع يضعف الارتباط بأي "عقد اجتماعي جديد"، حيث تصبح الولاءات عابرة ومبنية على الحاجة المادية الفورية لا على الانتماء الوطني أو القناعات السياسية. ومن هنا، يصبح الجوع وقوداً للاستمرار في النزاعات، مما يجعل مهمة الوسطاء الدوليين مستحيلة ما لم يتم التعامل مع المعدة الخاوية كأولوية أمنية قبل أن تكون إنسانية.
معالجة الجوع.. من ملف مؤجل إلى شرط تأسيسي لبناء الثقة
انتقد أستاذ المالية العامة بجامعة عدن المنهجية التقليدية التي تتعامل مع ملف الغذاء كملف إنساني "ثانوي" يُؤجل البت فيه إلى ما بعد التوصل لتسوية سياسية شاملة.
وأكد الشعيبي أن معالجة فجوة الغذاء يجب أن تتحول إلى "شرط تأسيسي لا لاحق"، باعتبارها المدخل الحقيقي والوحيد لإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتصارعة وبينها وبين الشعب وإن توفير الأمن الغذائي هو الضمانة الأكيدة لاستدامة أي اتفاق سياسي، وهو المعيار الحقيقي لاستعادة الشرعية المؤسسية. فبدون تأمين رغيف الخبز، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الاتفاقات الهشة التي يقتلها الجوع قبل أن تبصر النور.
اختتم الدكتور محمد جمال الشعيبي تصريحاته بالتشديد على ضرورة تغيير الرؤية الدولية والمحلية لإدارة الأزمات في مناطق الصراع وإن الربط بين الاقتصاد السياسي والأمن الغذائي ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو ضرورة حتمية لضمان عدم انهيار المجتمعات وإن الرسالة السياسية التي يحملها الجوع هي صرخة أخيرة للنخب بأن السلام الذي لا يُشبع الجوعى هو سلام زائف، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من المطبخ وينتهي بصندوق الاقتراع، وبينهما تظل العدالة الاجتماعية هي الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبر عليه اليمن نحو مستقبل مستقر وبعيد عن شبح المجاعات والحروب.










