أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الاثنين، أن رئيس الحكومة لن يقدم استقالته من منصبه، مؤكداً أنه سيواصل التركيز على مهامه العملية رغم الضغوط المتزايدة التي تفرضها التطورات الأخيرة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة السياسية البريطانية غلياناً غير مسبوق بعد الكشف عن وثائق أمريكية جديدة تدين السفير البريطاني السابق لدى واشنطن، بيتر ماندلسون، بعلاقات مشبوهة وتسريبات معلوماتية حساسة لرجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.
ورغم الحالة الدفاعية التي تتبناها الحكومة، إلا أن المطالبات برحيل ستارمر تجاوزت أروقة المعارضة لتصل إلى أصوات داخل حزب العمال نفسه، مما يضع مستقبل رئيس الوزراء على المحك في ظل أزمة أخلاقية وسياسية تهدد بانهيار ثقة الرأي العام في قيادته.
تفاؤل حذر داخل "10 داونينج ستريت" وسط ضجيج الاستقالة
ذكرت وكالة الأنباء البريطانية "بي إيه ميديا" أن المتحدث الرسمي باسم كير ستارمر وصف مزاج رئيس الوزراء هذا الصباح بأنه كان "متفائلاً وواثقاً" أثناء حديثه للعاملين في مقر رئاسة الوزراء.
هذا الاستعراض للثقة يهدف بالأساس إلى طمأنة الأسواق والدوائر السياسية بأن الحكومة لا تزال ممسكة بزمام الأمور، رغم "تسونامي" الانتقادات الذي خلفته فضيحة بيتر ماندلسون ولدى سؤاله بشكل مباشر عما إذا كان ستارمر ينوي تقديم استقالته اليوم استجابة لمطالب الخصوم، أجاب المتحدث بكلمة "لا" قاطعة، مشدداً على أن الحكومة تعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب الاستقرار والمضي قدماً في تنفيذ البرنامج الوطني بعيداً عن التشويش الذي تسببه ملفات مرتبطة بشخصيات تمت إقالتها بالفعل.
فضيحة ماندلسون وإبستين.. كواليس الوثائق التي هزت الثقة الدولية
تواجه قيادة كير ستارمر تحدياً غير مسبوق بعد ظهور أدلة قاطعة من تحقيقات أمريكية تشير إلى أن السفير السابق في واشنطن، بيتر ماندلسون، قام بتسريب معلومات حكومية حساسة لإبستين أثناء توليه مناصب رفيعة في فترات سابقة. هذه التسريبات، التي وصفتها المعارضة بأنها خيانة للأمانة الوطنية، وضعت العلاقات البريطانية الأمريكية في وضع محرج، خاصة بعد أن تبين أن ماندلسون كان جزءاً من شبكة إبستين المعقدة. ورغم أن ستارمر بادر بإقالة ماندلسون من منصبه كسفير في سبتمبر 2025 فور ظهور بوادر الأزمة، إلا أن الأسئلة الآن تتركز حول "لماذا تم تعيينه من الأساس؟" في منصب بهذه الحساسية رغم وجود تقارير سابقة تحذر من صلاته المشبوهة.
اتهامات بسوء التقدير.. ستارمر في مرمى نيران المعارضة ونواب العمال
تتمحور جوهر الأزمة الحالية حول "أهلية القرار" لدى كير ستارمر؛ حيث يواجه رئيس الوزراء اتهامات حادة بسوء التقدير السياسي لتعيينه ماندلسون في واشنطن رغم علم الدوائر الأمنية والسياسية بصلاته المثيرة للجدل.
وتعتبر المعارضة البريطانية أن هذا التعيين يمثل سقطة كبرى في معايير النزاهة التي وعد بها ستارمر عند توليه السلطة، بينما يرى نواب متمردون في حزب العمال أن الأزمة تحولت من قضية سفير فاسد إلى قضية فشل قيادي في أعلى هرم السلطة. إن هذه الضغوط حولت المطالبات بفتح تحقيق داخلي إلى مطالبات مباشرة برحيل رئيس الوزراء، معتبرين أن بقاءه قد يلحق ضرراً دائماً بسمعة بريطانيا الدبلوماسية والأمنية أمام حلفائها في "العيون الخمس" وغيرها.
يبقى السؤال الأبرز في الشارع البريطاني اليوم إلى متى يمكن لصمود كير ستارمر أن يستمر أمام سيل الوثائق والاتهامات؟ إن تمسك رئيس الوزراء بمنصبه ووصفه بـ "المتفائل" قد يكون محاولة لشراء الوقت وترتيب الأوراق الداخلية، لكن التاريخ السياسي البريطاني أثبت أن الفضائح المرتبطة بالأمن القومي والنزاهة الشخصية غالباً ما تنتهي بنهايات درامية.
وبينما يركز ستارمر على عمله كما أعلن مكتبه، تظل العيون شاخصة نحو البرلمان البريطاني وما قد تسفر عنه الجلسات القادمة من استجوابات قد تكون المسمار الأخير في نعش حكومته، أو فرصة أخيرة لإثبات قدرته على تجاوز واحدة من أعقد الأزمات السياسية في العقد الحالي.









