4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

لبنان بين صواريخ العدو خارجيا وطوفان الإهمال داخليا (تقرير)

تعاني البنية التحتية في لبنان من انهيار تام بفعل التهميش العمدي لملف الأبنية المتصدعة في أحياء الشمال اللبناني، واستيقظت مدينة طرابلس، "فيحاء" الشمال اللبناني، على فاجعة جديدة حيث انهار مبنى سكني على رؤوس ساكنيه مخلفاً ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين العزل.

بقلم: محمد أبو غالي
١٠ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
لبنان بين صواريخ العدو خارجيا وطوفان الإهمال داخليا (تقرير)

لبنان بين صواريخ العدو خارجيا وطوفان الإهمال داخليا (تقرير)

تعاني البنية التحتية في لبنان من انهيار تام بفعل التهميش العمدي لملف الأبنية المتصدعة في أحياء الشمال اللبناني، واستيقظت مدينة طرابلس، "فيحاء" الشمال اللبناني، على فاجعة جديدة حيث انهار مبنى سكني على رؤوس ساكنيه مخلفاً ضحايا وإصابات في صفوف المدنيين العزل.

الحادثة لم تكن وليدة الصدفة

وأكدت تقارير ميدانية واردة من الشمال، أن الحادثة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج سنوات من التهميش المتعمد لملف الأبنية المتصدعة في الأحياء الفقيرة، وهو ما يعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد، حيث تُترك الأرواح عرضة للموت تحت الأنقاض نتيجة غياب الرقابة الرسمية وتعطل خطط الترميم الوطنية.

لا يمكن فصل كارثة طرابلس، عن السياق العام للانهيار المؤسساتي الذي يشهده لبنان منذ سنوات، فالدولة التي تعجز عن تأمين سلامة قاطني الأبنية القديمة هي ذاتها التي تترنح تحت وطأة الفراغ السياسي والضغوط الاقتصادية الخانقة.

ووفقا لبيانات الدفاع المدني وشهادات الأهالي، فإن صرخات الاستغاثة التي سبقت الانهيار لم تجد آذاناً صاغية لدى البلديات أو الوزارات المعنية، مما يحول هذه الحوادث من "قضاء وقدر" إلى جريمة مكتملة الأركان بحق الطبقات الكادحة التي لا تجد بديلاً عن هذه المساكن المتهالكة، في ظل غياب سياسات إسكانية واضحة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

جراح الشمال ونزيف الجنوب

وفي الوقت الذي كانت فيه طرابلس تلملم أشلاء ضحاياها من تحت الركام، لم تهدأ آلة الحرب الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، حيث استمرت الخروقات والاعتداءات التي تستهدف القرى والبلدات الحدودية بشكل منهجي. وبحسب مصادر إعلامية من الجنوب، فإن القصف الإسرائيلي المتواصل لا يستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل الأراضي الزراعية والمنازل المأهولة، في محاولة واضحة لترهيب السكان وفرض واقع أمني جديد بالقوة، وهو ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية جبهتها الداخلية من الانهيار الإنشائي وحماية حدودها من العربدة العسكرية المستمرة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق بالمنطقة، حيث يستغل الاحتلال حالة الانكشاف السياسي اللبناني لزيادة وتيرة الاستهدافات، وسط صمت دولي مريب تجاه انتهاك السيادة الوطنية. ووفقاً لتقارير مراقبين عسكريين، فإن الاحتلال يسعى من خلال هذه الخروقات إلى جس نبض المقاومة اللبنانية وفرض معادلات اشتباك جديدة، متجاهلاً كافة القرارات الدولية، ومستفيداً من الغطاء السياسي الكامل الذي توفره أمريكا، التي لا تزال تمد الكيان بكافة أسلحة الدمار الفتاكة التي تقتل المدنيين في لبنان وفلسطين على حد سواء منذ اندلاع أحداث أكتوبر 2023.

واشنطن وفخاخ السياسة

وعلى الصعيد الدولي، تبرز سياسة الإدارة الأمريكية كعامل أساسي في تفاقم الأزمات الإقليمية، فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض كرئيس فعلي للبلاد في عام 2024، لم تتغير النظرة الانحيازية المطلقة لصالح إسرائيل، بل ازدادت حدة ووضوحاً. وبحسب تحليلات سياسية نُشرت في الصحافة العربية، فإن ترامب يتبنى استراتيجية الضغط الأقصى التي تهدف إلى تقويض الاستقرار في الدول التي تعارض المشاريع الأمريكية-الإسرائيلية، وهو ما يظهر جلياً في الدعم العسكري المباشر والمفتوح لحروب الاحتلال، مما يجعل واشنطن شريكاً مباشراً في كل قطرة دم تسقط في الجنوب اللبناني أو في قطاع غزة المحاصر.

إن هذا الدور الأمريكي يتجاوز الدعم الدبلوماسي ليصل إلى إدارة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر الذكية التي تستخدم في استهداف المدنيين، وهو ما يكشف زيف الادعاءات الأمريكية حول الرغبة في التهدئة أو الوصول إلى حلول سلمية. وبحسب تقارير حقوقية، فإن الأسلحة الأمريكية كانت حاضرة في أبشع المجازر التي ارتكبها الاحتلال منذ أكتوبر 2023، مما يثبت أن إدارة ترامب ترى في استمرار الحروب وسيلة لتعزيز نفوذها في المنطقة، حتى لو كان الثمن هو تدمير البنى التحتية وتهجير الملايين من الأبرياء في لبنان وفلسطين، ضمن مخطط يهدف إلى تصفية القضايا العربية العادلة.

رواية الدم والزيف

أما في فلسطين، فإن المشهد لا ينفصل عن مأساة لبنان، حيث يستمر الاحتلال في ترويج روايات مضللة تهدف إلى شيطنة المقاومة وتبرير الإبادة الجماعية التي يرتكبها في غزة. ووفقاً لتقارير إعلامية كاشفة، فإن الماكينة الإعلامية الإسرائيلية تحاول جاهدة طمس معالم المجازر التي لا تتوقف منذ أكتوبر 2023، عبر اختلاق قصص وهمية عن "الدفاع عن النفس"، بينما تؤكد الوقائع الميدانية أن المستهدف الأول هو الإنسان الفلسطيني وأرضه وتاريخه، في ظل تواطؤ دولي يسمح للمجرم بالإفلات من العقاب تحت الحماية الأمريكية المطلقة التي يوفرها ترامب وإدارته.

إن التأكيد على بشاعة المجازر الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 يعد واجباً أخلاقياً وإعلامياً لكشف الوجه القبيح لهذا الكيان الذي لم يعرف سوى القتل والتدمير منذ نشأته، فالمشاهد القادمة من غزة والضفة الغربية تفوق الوصف في وحشيتها، وتكشف عن رغبة دفينة في محو الوجود الفلسطيني. وبحسب شهادات المنظمات الدولية، فإن ما يحدث هو تطهير عرقي مكتمل الأركان، يُنفذ بأسلحة أمريكية وبتخطيط مشترك بين تل أبيب وواشنطن، مما يجعل الحديث عن "سلام" في ظل هذه الظروف مجرد وهم تسوقه الإدارة الأمريكية لتمرير مخططات السيطرة والهيمنة على مقدرات الشعوب العربية.

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال