في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع العسكري التقليدي، وقّعت الصومال والمملكة العربية السعودية اتفاقية تعاون عسكري ودفاعي تهدف إلى تعزيز أمن منطقة البحر الأحمر، في توقيت يعكس تصاعد التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي حيث تتداخل الحسابات الأمنية والسياسية مع رهانات النفوذ الجيوسياسي.
وذكرت وزارة الدفاع الصومالية في بيان رسمي أنه تم توقيع مذكرة تفاهم تشمل تعاونًا دفاعيًا وعسكريًا بين الصومال والمملكة العربية السعودية، مؤكدة أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز التنسيق في المجال الأمني والإسهام في الاستقرار في محيط البحر الأحمر، وهو ما يضع الصومال في قلب معادلة أمنية إقليمية متشابكة.
اتفاق دفاعي في لحظة إقليمية حساسة
تم توقيع مذكرة التفاهم في العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، في حدث يعكس تطور العلاقات الثنائية بين الصومال والسعودية، ويشير إلى انتقال التعاون من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى مستوى الشراكة الدفاعية.
وأوضحت وزارة الدفاع الصومالية أن الاتفاق يشمل العديد من المجالات العسكرية والدفاعية، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول بنوده، ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة لطبيعة التعاون المرتقب، خاصة في ظل تصاعد المخاوف الأمنية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وتشير الأنباء المتداولة في الصحافة الصومالية إلى أن مذكرة التفاهم مرتبطة بالمخاوف المتزايدة بشأن الأمن البحري في محيط البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهو ما يجعل الصومال جزءًا من معادلة إقليمية تتجاوز حدودها الوطنية.
الصومال وإعادة بناء القوة العسكرية
يشكل الاتفاق جزءًا من أهداف الصومال لحماية المجال الجوي وتعزيز القدرات العسكرية والحصول على الدعم الفني والتدريبي من الدول الحليفة، في سياق يعكس سعي الصومال إلى إعادة بناء قواتها المسلحة وفق معايير حديثة، بعد سنوات طويلة من الصراع الداخلي والتدخلات الخارجية.
وأشار المسؤولون إلى التطور السريع للعلاقات بين مقديشو والرياض خلال الآونة الأخيرة، حيث تهدف الصومال إلى اكتشاف موقع أكثر قوة في المجال الدفاعي في ظل الموازين الإقليمية المتغيرة، ما يعكس إدراكًا صوماليًا متزايدًا لطبيعة الصراع على النفوذ في القرن الإفريقي.
واكتسبت جهود الإدارة الصومالية للحفاظ على وحدة أراضيها وتعزيز استعداداتها أمام المخاطر الأمنية الإقليمية بعدًا جديدًا بفعل هذا الاتفاق، الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن التنافس الإقليمي المتصاعد.
الصومال في معرض الدفاع العالمي
وقّعت جمهورية الصومال والمملكة العربية السعودية مذكرة تفاهم للتعاون العسكري على هامش معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض، حيث يهدف الاتفاق إلى توسيع العلاقات الدفاعية بين البلدين، مع تركيز خاص على التدريب والدعم الفني وتطوير قدرات القوات المسلحة الصومالية.
ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي حساس، تشهد فيه مقديشو ضغوطًا سياسية وأمنية متزايدة مرتبطة بملف أرض الصومال (صوماليلاند) والتحولات في الشراكات الأمنية بالقرن الإفريقي، ما يجعل الصومال في مواجهة تحديات سيادية وأمنية متشابكة.
وأعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن مذكرة التفاهم وُقّعت في 9 فبراير 2026 بين وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم الفقي ووزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال الأيام الافتتاحية لمعرض الدفاع العالمي في الرياض، مؤكدة أن الاتفاقية تهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي والعسكري في مجالات ذات اهتمام مشترك.
مجالات التعاون العسكري
أوضحت مقديشو أن الاتفاقية تتضمن عدة محاور رئيسية، مؤكدة أن الصومال تسعى منذ سنوات إلى إعادة بناء قواتها المسلحة على أسس مهنية حديثة.
وتشمل مجالات التعاون:
التدريب العسكري ورفع كفاءة الأفراد.
المساعدة التقنية وبناء القدرات المؤسسية.
الدعم الدفاعي لتحسين الجاهزية العملياتية.
وتهدف هذه الخطوات إلى تعزيز قدرة القوات المسلحة الصومالية على حماية المجال الجوي وضمان سلامة الأراضي الصومالية في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بالتنافس الحاد بين القوى الإقليمية والدولية.
البعد السيادي في قلب الصراع
يأتي توقيع المذكرة في ظل تصاعد التوترات السياسية المرتبطة بمنطقة أرض الصومال الانفصالية، حيث انتقد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود علنًا اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، واصفًا ذلك بأنه "تدخل يزيد من عدم الاستقرار ويُضعف النظام الدولي".
وتؤكد مقديشو أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من الدولة الصومالية، وترى في التحركات الدبلوماسية الأخيرة تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضيها، وهو ما يجعل الاتفاق الدفاعي مع السعودية جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز الموقف السيادي للصومال.
الصومال والتنافس الإقليمي في القرن الإفريقي
يمثل الاتفاق السعودي–الصومالي حلقة جديدة في سلسلة التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية متعددة، من بينها دول الخليج وتركيا وإيران وإسرائيل، إلى جانب قوى إفريقية تسعى لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر.
ويربط مسؤولون صوماليون الحاجة إلى شراكات دفاعية جديدة بتغير الديناميات الإقليمية، بما في ذلك التطورات الدبلوماسية المتعلقة بصوماليلاند، والمخاوف الأمنية المتزايدة في البحر الأحمر، وتزايد التدخلات الخارجية في شؤون القرن الإفريقي.
وقدّمت مقديشو الاتفاقية مع السعودية كجزء من جهد أوسع لحشد دعم الحلفاء الإقليميين الذين يعترفون بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، في مواجهة محاولات إعادة رسم الخرائط السياسية في المنطقة.
إعادة تشكيل خريطة التحالفات الأمنية
يأتي الاتفاق السعودي–الصومالي بعد قرار الصومال إنهاء اتفاقيات الدفاع والأمن مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مع الاستمرار في التعاون مع شركاء إقليميين آخرين، كما وقّعت مقديشو اتفاقية دفاعية منفصلة مع قطر، تركز على التدريب وتحسين القدرات العملياتية.
ويعكس هذا التوجه سعي الصومال إلى تنويع شراكاته الدفاعية وتفادي الاعتماد على طرف واحد في بيئة إقليمية معقدة، ما يعكس إدراكًا صوماليًا لطبيعة التنافس بين القوى الإقليمية في القرن الإفريقي.
الدور السعودي في البحر الأحمر
تعد المملكة العربية السعودية فاعلًا أمنيًا محوريًا في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث ترتبط قضايا الملاحة البحرية والسيطرة على المجال الجوي والاستقرار الإقليمي ارتباطًا وثيقًا بأمن هذه المنطقة.
ويضع التعاون العسكري مع الصومال السعودية في موقع داعم لمقديشو، في وقت تتعرض فيه النزاعات السيادية والتدخلات الخارجية لتدقيق متزايد، ما يجعل الصومال جزءًا من استراتيجية سعودية أوسع لتعزيز الاستقرار في البحر الأحمر.
بين الاتفاق العسكري والتحولات الجيوسياسية
لا ترقى المذكرة الموقعة في الرياض إلى مستوى معاهدة دفاع مشترك، إلا أن المسؤولين الصوماليين وصفوها بأنها إطار عمل منظم لتعزيز التعاون العسكري، مع توقع تحديد خطوات التنفيذ عبر اتفاقيات تفصيلية بين وزارتي الدفاع وبرامج تدريب مشتركة وآليات دعم فني وتقني مرحلية.
وتعكس مذكرة التعاون العسكري بين الصومال والمملكة العربية السعودية تقاطعًا بين الاعتبارات الأمنية والسياسية في مرحلة إقليمية دقيقة، حيث تسعى الصومال لتعزيز قدراتها الدفاعية وحماية وحدة أراضيها، بينما تؤكد الرياض من خلال هذه الخطوة دورها كفاعل إقليمي داعم للاستقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وفي المحصلة، يتحول الاتفاق الدفاعي إلى مؤشر على مرحلة جديدة من التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي حيث تصبح الصومال نقطة ارتكاز في صراع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، في ظل تحولات جيوسياسية تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة.








