20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بين وهم الانفلات النووي وواقعية الردع العقلاني

"الأسلحة لا تحسم الصراعات، بل الحكمة وحدها تفعل ذلك"، بتلك العبارة أعلنها ألبرت أينشتاين، فلقد أثبت التاريخ أن ضبط التسلح كان دائما جسرا للحوار حين انهارت الجسور الأخرى، ولم يكن الخامس من فبراير 2026

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١١ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
10 مشاهدة
د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بين وهم الانفلات النووي وواقعية الردع العقلاني

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: بين وهم الانفلات النووي وواقعية الردع العقلاني

"الأسلحة لا تحسم الصراعات، بل الحكمة وحدها تفعل ذلك"، بتلك العبارة أعلنها ألبرت أينشتاين، فلقد أثبت التاريخ أن ضبط التسلح كان دائما جسرا للحوار حين انهارت الجسور الأخرى، ولم يكن الخامس من فبراير 2026 مجرد تاريخ إداري لانتهاء معاهدة، بل لحظة رمزية أُسيء فهمها على نطاق واسع.

انهيار آخر أعمدة ضبط التسلح النووي بين الولايات المتحدة وروسيا، بانتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت"، وسط تحذيرات درامية من انزلاق العالم نحو سباق من بعيد الذكريات (الهوروشومية والنجازاكية) تسلح نووي جديد، وكأن العالم يقف على حافة فراغ استراتيجي غير مسبوق.

غير أن القراءة الهادئة للواقع الدولي تشير إلى مفارقة لافتة، فالمعاهدة كانت آخر إطار قانوني يُقيد الترسانتين النوويتين الأكبر عالميا.

غير أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الأرقام الفعلية، والقرارات السياسية المتخذة بعد انتهاء المعاهدة، لا تشير إلى سباق تسلح نووي مفتوح، بل لأعادة تعريف مفهوم الضبط ذاته، منذ أن وُقعت معاهدة "نيو ستارت" عام 2010 بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف، ودخلت حيّز التنفيذ عام 2011 لمدة عقد زمني، ثم مُدّدت لمثلها. حيثُ حدّدت المعاهدة سقفاً صارماً لا يتجاوز 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً لكل طرف، و700 منصة إطلاق من صواريخ عابرة للقارات وقاذفات استراتيجية.

إن الأهمية الخفية للمعاهدة، لم تكن في الأرقام فحسب، بل في آليات التحقق والتفتيش المُتبادل، التي وفّرت درجة عالية من الشفافية، وخفّضت مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي، وأبقت قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أسوأ مراحل التوتر. فماذا تقول الأرقام فعلاً؟. تشير رغم انتهاء القيود القانونية، فلم تعلن واشنطن أو موسكو عن زيادات فورية أو ضخمة في الرؤوس النووية المنشورة. التي وصلت الترسانات النووية الاستراتيجية اجمالياً وفق تقديرات 2025/2026 إلى (الولايات المتحدة أكثر من 5,200، أما روسيا أكثر من 5,900، والصين أكثر من 500)، وذلك يدل على القدرة التدميرية للطرفين الأميركي والروسي والتي بلغت منذ عقود مستوى الإشباع الردعي، أي زيادة رقمية كبيرة لا تضيف ميزة استراتيجية حقيقية، لكنها تضيف كلفة سياسية ومالية.

جدول تقديرات 2025/ 2026 للترسانات النووية الاستراتيجية:

 

الدولة

الرؤوس النووية الإجمالية

الرؤوس المنشورة استراتيجياً

سقف نيو ستارت السابق

الولايات المتحدة

~5,200

~1,550

1,550

روسيا

~5,900

~1,550

1,550

الصين

~500

~350

غير خاضعة

 

أولاً: لماذا لم ينفجر سباق تسلح نووي؟، فعلى عكس التوقعات المتشائمة، لم نشهد بعد انتهاء المعاهدة سباقاً محموماً لإنتاج الرؤوس النووية. ويعود ذلك إلى جملة عوامل متداخلة أهمها:

  1. كلفة السباق النووي: أي توسّع واسع في الترسانات سيكلّف عشرات المليارات سنوياً، في وقت تعاني فيه الاقتصادات الكبرى من ضغوط ديون، وتباطؤ نمو، وأعباء تحديث تقني.
  2. الردع المستقر: ما زال مبدأ التدمير المتبادل المؤكد قائماً. فامتلاك آلاف الرؤوس الإضافية لا يغيّر جوهرياً معادلة الردع.
  3. الرقابة التقنية الحديثة: تطور الأقمار الاصطناعية، والذكاء الاصطناعي، والاستشعار الزلزالي، جعل من المستحيل تقريباً تنفيذ تحركات استراتيجية كبرى من دون انكشاف.
  4. عودة الحوار: إعلان واشنطن، بالتوازي مع انتهاء المعاهدة، دخولها في محادثات مع موسكو لبحث تمديد أو إعادة صياغة الإطار، أرسل إشارة تهدئة بالغة الأهمية.

لكن بعد انتهاء المعاهدة كان الحدث الأكثر دلالة لم يكن انتهاء "نيو ستارت"، بل ما تلاه مباشرة:

  • إعلان واشنطن الدخول في محادثات فنية مع موسكو لبحث تمديد أو إعادة صياغة آلية ضبط.
  • امتناع الطرفين عن الانسحاب من أنظمة الإخطار والاتصال العسكري.
  • استمرار الالتزام العملي (غير القانوني) بسقوف قريبة من المعاهدة.

هذا السلوك يعكس إدراكاً مشتركاً بأن الفوضى النووية غير قابلة للإدارة، خصوصاً في ظل حرب أوكرانيا وتصاعد الخطاب النووي في أوروبا.

ثانياً: لماذا تغيّر منطق ضبط التسلح؟، إن ضبط التسلح في القرن الـ21 يجب أن ينتقل من "عدّ الرؤوس" إلى "إدارة المخاطر"، خصوصاً زمن الإنذار، وسلامة أنظمة القيادة والسيطرة. فالمشكلة الجوهرية ليست في غياب المعاهدة، بل في أن المنظومة القديمة لم تعد تعكس الواقع التكنولوجي:

  • صواريخ فرط صوتية لا تُحتسب ضمن القيود التقليدية.
  • أنظمة فضائية وسيبرانية تؤثر في الردع دون إطلاق صاروخ واحد.
  • صعود الصين كقوة نووية ثالثة خارج أي إطار ملزم.

ثالثاً: المخاطر والتحديات الجديدة

لا يعني ذلك غياب المخاطر. فالتحديات اليوم لم تعد محصورة في عدد الرؤوس النووية، بل في نوعية الأسلحة:

  • الصواريخ الفرط صوتية التي تقلّص زمن الإنذار.
  • أنظمة الدفاع الصاروخي التي قد تُغري بكسر التوازن.
  • الفضاء السيبراني بوصفه ساحة محتملة للتشويش على أنظمة القيادة والسيطرة.

إلى جانب ذلك، يفرض صعود الصين النووي معادلة ثلاثية معقدة. فبكين، التي يُتوقع أن تتجاوز 1000 رأس نووي بحلول 2035، ترفض الانضمام إلى معاهدات ترى أنها صُممت لواقع ثنائي لم تعد جزءاً منه.

رابعاً: التداعيات الكبرى على النظام الدولي

  1. تآكل الثقة الأوروبية: انتهاء "نيو ستارت" زاد قلق دول الناتو الشرقية، لكنه لم يدفعها لتبني سياسات نووية مستقلة.
  2. تدويل الملف النووي: الإصرار الأميركي على إدخال الصين والهند وباكستان في أي ترتيبات مستقبلية.
  3. تطبيع الخطاب النووي: أخطر التداعيات، حيث أصبح الحديث عن استخدام محدود للسلاح النووي أقل "تابوهاً".

خامساً: آفاق التعاون الدولي

المفارقة أن انتهاء "نيو ستارت" قد يكون فرصة لا تهديداً. فالعالم يحتاج إلى:

  • التركيز على إدارة المخاطر بدلاً من العدّ الرقمي للرؤوس.
  • إحياء الدبلوماسية الوقائية بوصفها أداة استقرار، لا تنازلاً سياسياً.
  • الحفاظ على قنوات الاتصال النووي مهما بلغ التوتر.
  • دعم أطر مرنة تشمل القوى النووية الصاعدة.
  • إعادة ترسيخ الذاكرة التاريخية لمخاطر السلاح النووي.

وأخيرا: رسالة إلى صانعي القرار: إن الحكمة الاستراتيجية اليوم لا تكمن في استعراض القوة، بل في إدارة القوة بعقل بارد، كما وافقها جورج كينان: "الأسلحة النووية لا تحمي الدول من أخطائها السياسية"، فالخطاب المتساهل مع فكرة استخدام السلاح النووي، الذي عاد إلى الواجهة خلال الحرب في أوكرانيا، ينذر بتآكل المحرّمات الأخلاقية التي حمت البشرية منذ 1945، وبالتالي فإن التفريط الكامل بما تبقى من منظومة الضبط لن يكون انتصاراً، بل مقامرة بتاريخ الإنسانية. فـ"دعونا نمد أيدينا لا للسلاح، بل للسلام".

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال