تتواصل الاحتجاجات في عدد من مدن أستراليا رفضًا لزيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في مشهد يعكس اتساع رقعة التضامن الشعبي مع فلسطين منذ اندلاع العدوان الواسع على غزة في أكتوبر 2023. فقد شهدت سيدني وملبورن وكانبيرا تظاهرات حاشدة رفعت الأعلام الفلسطينية ورددت هتافات تندد بالمجازر الإسرائيلية المستمرة، معتبرة أن استقبال شخصية تمثل دولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين يمثل انحيازًا سياسيًا وأخلاقيًا مرفوضًا. وبحسب وسائل إعلام أسترالية، فإن الدعوات للاحتجاج بدأت عبر تحالفات طلابية ونقابية ومنظمات حقوقية، قبل أن تتوسع لتشمل شرائح اجتماعية متنوعة.
أستراليا ومطالبات بتراجع موقفها
اللافت في هذه التحركات أنها لم تقتصر على الشعارات التضامنية، بل اتخذت طابعًا سياسيًا واضحًا يطالب الحكومة الأسترالية بمراجعة علاقاتها مع إسرائيل، ووقف أي تعاون قد يُفهم منه دعم غير مباشر للحرب على غزة. وقد ركز المتظاهرون على الأرقام الصادمة لضحايا العدوان، والتي وثقتها منظمات دولية منذ أكتوبر 2023، مؤكدين أن استمرار المجازر يجعل أي استقبال رسمي بمثابة تجاهل لمعاناة المدنيين الفلسطينيين، بل وتواطؤًا سياسيًا مع الرواية الإسرائيلية التي تحاول تبرير استهداف البنية التحتية والسكان تحت ذريعة الأمن.
منذ أكتوبر 2023، تحولت القضية الفلسطينية إلى محور تعبئة شعبية عالمية، وأستراليا لم تكن استثناءً من هذا التحول. فالمشاهد القادمة من غزة، بما تحمله من دمار واسع وسقوط آلاف الضحايا، أعادت طرح أسئلة أخلاقية وسياسية حول طبيعة الدعم الغربي لإسرائيل، والدور الأمريكي المباشر في إدارة الحرب وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لها. وفي هذا السياق، باتت زيارة هرتسوغ تُقرأ ضمن مشهد أوسع من إعادة الاصطفاف الدولي حول الحرب، وليس مجرد حدث بروتوكولي عابر.
الاحتجاجات الأسترالية تعكس أيضًا وعيًا متزايدًا بزيف كثير من السرديات الإسرائيلية التي تُقدَّم في الإعلام الغربي باعتبارها حقائق غير قابلة للنقاش. فقد ركزت كلمات المتظاهرين على إبراز التناقض بين الخطاب الإسرائيلي حول "الدفاع عن النفس" وبين الواقع الميداني الذي أظهر استهدافًا واسعًا للأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس، وفقًا لتقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان. وهنا يتحول التضامن من موقف عاطفي إلى موقف سياسي يضغط على صناع القرار.
ضغط على حكومة أستراليا
حكومة أستراليا تجد نفسها أمام معادلة دقيقة بين تحالفاتها الغربية التقليدية، خاصة مع أمريكا، وبين تنامي الرأي العام الداخلي الرافض للحرب. فاستمرار الاحتجاجات يضع المسؤولين أمام اختبار حقيقي: هل يستجيبون لمطالب الشارع بموقف أكثر توازنًا، أم يواصلون نهج الدعم السياسي التقليدي لإسرائيل؟ وبحسب تحليلات نشرتها صحف أسترالية كبرى، فإن حجم التظاهرات وتكرارها يفرضان نقاشًا برلمانيًا حول طبيعة الموقف الرسمي من الحرب على غزة.
هذا الضغط الشعبي لا يعني بالضرورة تغييرًا فوريًا في السياسة الخارجية، لكنه يخلق بيئة سياسية جديدة يصعب تجاهلها، خاصة مع اقتراب أي استحقاقات انتخابية مستقبلية. فالقضية الفلسطينية أصبحت عنصرًا حاضرًا في النقاش العام، وتحوّلت من ملف خارجي بعيد إلى موضوع يمس صورة أستراليا الدولية والتزاماتها الأخلاقية تجاه القانون الدولي وحقوق الإنسان.
تحولات محتملة
التجربة التاريخية تشير إلى أن الاحتجاجات الشعبية، حين تستمر وتتوسع، قادرة على التأثير التدريجي في توجهات الحكومات، حتى وإن لم تعلن الأخيرة ذلك صراحة. ففي حالات سابقة، دفعت موجات التضامن مع قضايا دولية الحكومات الغربية إلى مراجعة سياساتها أو على الأقل إعادة صياغة خطابها السياسي بما يتلاءم مع المزاج العام. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الاحتجاجات ضد زيارة هرتسوغ باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الموقف الأسترالي من الصراع، في ضوء ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023.
كما أن استمرار الحراك يعكس إدراكًا شعبيًا بأن الدعم الغربي لإسرائيل، وفي مقدمته الدعم الأمريكي، يشكل أحد العوامل الأساسية في إطالة أمد الحرب. وهذا الوعي يربط بين السياسة المحلية الأسترالية وبين شبكة التحالفات الدولية التي تمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا واسعًا. وعليه، فإن الاحتجاجات لا تستهدف زيارة بعينها فحسب، بل تعبّر عن رفض أوسع لمنظومة سياسية يُنظر إليها باعتبارها شريكًا في استمرار المعاناة الفلسطينية.
بهذا المعنى، تتحول الشوارع الأسترالية إلى ساحة نقاش سياسي عابر للحدود، حيث يلتقي الصوت المحلي مع قضية عالمية، وتصبح غزة حاضرة في قلب الجدل حول أخلاق السياسة الخارجية وحدود التحالفات التقليدية.










