4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

التهديد القادم من الشمال.. هل أصبحت خروقات الجنوب اللبناني مقدمة لعملية عسكرية واسعة؟

تتصاعد وتيرة القلق الدولي مع استمرار الخروقات الإسرائيلية الممنهجة في جنوب لبنان

بقلم: محمد خميس
١١ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
17 مشاهدة
خروقات الجنوب اللبناني

خروقات الجنوب اللبناني

تتصاعد وتيرة القلق الدولي مع استمرار الخروقات الإسرائيلية الممنهجة في جنوب لبنان، حيث بات المشهد الميداني ينبئ بتحولات جذرية قد تعصف بحالة "الهدوء الحذر" التي سادت لفترات متقطعة.

 إن تحليل هذه الخروقات، التي تتنوع بين القصف المدفعي المركز والخرق الدائم للأجواء اللبنانية عبر الطيران الحربي والمسير، يشير إلى رغبة إسرائيلية واضحة في اختبار "قواعد الاشتباك" القائمة ومحاولة فرض واقع أمني جديد يقلص من قدرات الردع التي تفرضها المقاومة. 

ويرى المراقبون أن الاحتلال لا يتحرك بشكل عشوائي، بل يتبع استراتيجية "الاستنزاف الموضعي" التي تهدف إلى جمع معلومات استخباراتية حية وتدمير بنى تحتية حساسة تحت غطاء الرد على مناوشات حدودية، مما يجعل جبهة الجنوب اللبناني تعيش حالة من "الحرب غير المعلنة" التي قد تنفجر في أي لحظة إذا ما قرر أحد الأطراف تجاوز سقف التصعيد الحالي.

هل انتهت صلاحية التهدئة في لبنان؟

إن حدود التهدئة في لبنان لم تعد مرتبطة فقط بقرار مجلس الأمن 1701، بل أصبحت رهينة للمتغيرات الإقليمية الكبرى وضغوط الداخل الإسرائيلي الذي يطالب بإعادة المستوطنين إلى الشمال بأي ثمن.

 ومن الناحية الأمنية، نجد أن جيش الاحتلال يحاول توسيع "حزام النار" ليشمل مناطق لم تكن ضمن دائرة الاستهداف المباشر، وهو ما يعكس رغبة في دفع قوات المقاومة إلى التراجع لما وراء نهر الليطاني كهدف استراتيجي معلن. 

ومع ذلك، فإن "سقف التهدئة" لا يزال محكوماً بتوازن الرعب؛ حيث يدرك الاحتلال أن أي عملية عسكرية واسعة النطاق ستعني فتح أبواب الجحيم على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وهو ما يجعل الخروقات الحالية تقع في منطقة "الرمادي" بين التهدئة والحرب الشاملة، بانتظار لحظة سياسية أو خطأ ميداني قد يقلب الطاولة بالكامل.

الشمال الشرقي السوري.. إعادة ترتيب المشهد وصراع النفوذ

بالتزامن مع سخونة الجبهة اللبنانية، يشهد الشمال الشرقي السوري تحولات دراماتيكية في إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي، حيث تتداخل مصالح القوى الدولية والإقليمية فوق رقعة جغرافية غنية بالموارد وحساسة أمنياً. 

إن القراءة المتأنية للتحركات الأخيرة في مناطق شرق الفرات تكشف عن مساعٍ حثيثة من قبل القوى الفاعلة، لاسيما الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، لإعادة تموضع قواتها بما يضمن لها نفوذاً دائماً في مرحلة ما بعد التسويات الكبرى. 

وتبرز هنا دلالات واضحة حول محاولات تقليص نفوذ بعض القوى المحلية مقابل تعزيز دور تشكيلات عسكرية جديدة تهدف إلى خلق "منطقة عازلة" أو "كانتونات مستقرة" تمنع وحدة الأراضي السورية جغرافياً، وهو ما يضيف تعقيداً جديداً للأزمة السورية ويربط مصير الشمال الشرقي بملفات إقليمية شائكة تتجاوز الحدود السورية المحلية.

تداعيات التغييرات في شرق الفرات على الأمن الإقليمي

إعادة ترتيب المشهد في شمال شرق سوريا لا تنفصل عن الصراع في لبنان؛ فالجغرافيا السياسية الممتدة من طهران وصولاً إلى بيروت عبر بغداد ودمشق تجعل من أي تغيير في شرق سوريا زلزالاً تصل ارتداداته إلى الجنوب اللبناني. 

إن محاولات قطع طرق الإمداد أو تغيير ديموغرافية السيطرة في مناطق الحسكة ودير الزور تهدف بالدرجة الأولى إلى خنق "محور المقاومة" وإضعاف قدرته على المناورة في الجبهات الأخرى. 

وفي الوقت ذاته، تبرز الأجندات التركية الساعية لتأمين حدودها من "التهديدات الكردية"، مما يخلق حالة من التنافس المحموم الذي قد يؤدي إلى اشتباكات بين حلفاء الأمس، ويجعل من الشمال الشرقي السوري ساحة لتصفية الحسابات الدولية بامتياز، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار الدولة السورية ويعزز من حالة التفتت التي يستغلها الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة عدوانه.

وحدة الساحات.. ترابط المصير بين الجنوب اللبناني والشمال السوري

يظهر بوضوح أن ما يحدث في جنوب لبنان من خروقات مستمرة وما يجري في شمال شرق سوريا من إعادة ترتيب للقوى، هما مساران متوازيان يهدفان إلى محاصرة القوى المناهضة للمشاريع الغربية والإسرائيلية في المنطقة.

 إن استمرار الخروقات في الجنوب ليس إلا محاولة لشل الحركة اللبنانية ومنعها من التأثير في الملف السوري، كما أن إعادة هندسة المشهد في شرق سوريا تهدف إلى بناء حاجز استراتيجي يمنع التواصل الجغرافي للمقاومة وإن مستقبل المنطقة مرهون بمدى قدرة القوى الفاعلة على الحفاظ على توازنات القوة ومنع الاحتلال من الاستفراد بجبهة دون أخرى، مما يضعنا أمام مرحلة حرجة تتطلب وعياً أمنياً وسياسياً عالياً لمواجهة سيناريوهات التفتيت والضم والعدوان المستمر الذي لا يعترف بحدود أو مواثيق.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال