أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن المفاوضات مع النظام الإيراني ستستمر بوتيرة حثيثة بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة التوتر القائمة، وذلك في أعقاب لقاء مطول جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع "مار-أ-لاغو" بمدينة بالم بيتش التابعة لولاية فلوريدا.
وأكد ترامب عبر منصته "تروث سوشال" أن الاجتماع الذي وصفه بأنه كان "جيداً جداً" لم يسفر عن قرارات قطعية أو نهائية فيما يخص الملفات الكبرى، باستثناء إصراره الشخصي على المضي قدماً في المسار الدبلوماسي مع إيران لاختبار مدى جدية الطرف الآخر في إبرام صفقة جديدة تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.
وبحسب ما نقلته وكالة رويترز للأنباء، فإن هذه التحركات تأتي في وقت حساس يحاول فيه ترامب فرض رؤيته الخاصة التي تعتمد على مبدأ "عقد الصفقات" المباشرة، متجاوزاً أحياناً التحفظات التقليدية لحلفائه التاريخيين.
هذا الإصرار الأمريكي على التفاوض مع طهران يضع حكومة الاحتلال الإسرائيلي في موقف معقد، حيث يجد نتنياهو نفسه مضطراً للتعامل مع إدارة أمريكية لا تكتفي بالدعم العسكري المطلق، بل تسعى أيضاً لرسم خارطة نفوذ جديدة قد لا تتوافق بالضرورة مع الطموحات التوسعية أو الأمنية الضيقة للاحتلال في المنطقة العربية.
فلسطين وتجميل صورة الحرب
تطرق الرئيس الأمريكي في تصريحاته إلى ما وصفه بـ "التقدم الكبير المحرز في غزة"، وهي الصياغة التي تحمل في طياتها محاولة واضحة للالتفاف على الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني نتيجة حرب الإبادة المستمرة. فبينما يتحدث ترامب ونتنياهو عن "التقدم"، لا تزال آثار المجازر المروعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال منذ أكتوبر 2023 شاهدة على حجم الدمار، وسط دعم أمريكي مباشر وغير محدود وفره ترامب وإدارته لضمان استمرار آلة الحرب الإسرائيلية في حصد أرواح المدنيين، تحت ذريعة مكافحة المقاومة وتحقيق الاستقرار الإقليمي المزعوم.
ويكشف هذا الخطاب السياسي المشترك بين واشنطن وتل أبيب عن زيف الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير العمليات العسكرية كإنجازات إنسانية أو أمنية، في حين أن التقارير الميدانية والواقع على الأرض يؤكدان أن الدور الأمريكي ليس مجرد وسيط، بل هو شريك أساسي في كل ما جرى ويجري في قطاع غزة والمنطقة عموما.
إن محاولة ترامب تسويق فكرة "التقدم" في المنطقة تهدف بالأساس إلى تهدئة الرأي العام الدولي والداخلي في أمريكا، وفتح الطريق أمام مشروعات سياسية واقتصادية كبرى تتجاهل الحقوق المشروعة للفلسطينيين وتغض الطرف عن جرائم الحرب الموثقة.
أبعاد الصفقة المنتظرة
أوضح ترامب في تدوينته التي رصدتها رويترز ومختلف الوكالات العالمية، أن النقاش مع نتنياهو شمل المنطقة برمتها، وهو ما يشير إلى أن أمريكا بصدد التحضير لترتيبات إقليمية واسعة النطاق قد تتضمن مسارات تطبيع جديدة أو إعادة هيكلة للتحالفات الأمنية.
ورغم المصافحة الودية التي جمعت الزعيمين أمام كاميرات المصورين في بالم بيتش، إلا أن غياب "القرار النهائي" يشي بوجود فجوة بين رغبة ترامب في إغلاق الملفات الساخنة عبر الدبلوماسية، وبين رغبة الاحتلال في استمرار حالة الاستقطاب لضمان تدفق الدعم العسكري والسياسي من واشنطن دون قيود أو شروط تفاوضية مع الأطراف الأخرى.
وتظل السياسة الأمريكية تجاه المنطقة محكومة بازدواجية المعايير، حيث تصر إدارة ترامب على التفاوض مع إيران لضمان مصالحها الاستراتيجية ومنع أي صدام مكلف، بينما تطلق يد الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة لمواصلة سياسات القمع والتهجير. هذا التناقض الصارخ يعزز القناعة بأن أي "اتفاق" قد يتم التوصل إليه في المستقبل لن يخرج عن كونه محاولة لترسيخ الهيمنة الأمريكية وتأمين أمن الاحتلال على حساب استقرار الشعوب العربية وسيادة دول المنطقة، وهو ما يجعل مخرجات لقاء "مار-أ-لاغو" محل رصد وتوجس من كافة المراقبين السياسيين.









