كشف خبير التخطيط الاستراتيجي والباحث في الشأن الإيراني، بسام شكري، أن المشهد السياسي العراقي، وتحديداً ملف رئاسة الجمهورية، يظل رهينة التوافقات الكبرى بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى أن الحزبين الكرديين الرئيسيين “الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني” لم ولن يتفقا على رأي واحد بمعزل عن هذه التوافقات الإقليمية.
وأوضح شكري في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات"، أن الفترات السابقة شهدت اتفاقاً ضمنياً بين إيران وأمريكا على شخصية الرئيس، حيث كان يتم إبلاغ الحزبين الكرديين بالقرار ليكون دورهم مجرد التنفيذ، مؤكداً أن الأحزاب الكردية لم تكن هي المحرك الفعلي لترشيح شخصيات الرئاسة سابقاً.
وفي ظل انشغال الطرفين حالياً بجولات التفاوض في مسقط، يرى شكري أن حالة الجمود ستبقى سيدة الموقف، حيث إن القوى الدولية لم تمنح الضوء الأخضر بعد لأي تسوية محلية، مما يجعل الانقسام الكردي مادة دسمة للاستثمار السياسي الخارجي.
تداعيات انشغال القوى الكبرى بمفاوضات مسقط على ملف النفط
يرى الباحث بسام شكري أن أزمة ملف النفط العالق بين بغداد وأربيل لا تنفصل عن تعقيدات مفاوضات مسقط بين إيران والولايات المتحدة التي تجري، حيث إن انشغال الطرفين بترتيبات الملف النووي والإقليمي لن يترك مساراً متاحاً للاتفاق على القضايا الاقتصادية الفنية في العراق.
ويؤدي هذا الانشغال إلى تجميد الحلول الجذرية، مما يفاقم الأزمة المعيشية ويزيد من حدة الاستقطاب بين المركز والإقليم وإن طبيعة الوضع الميداني تفرض واقعاً منقسماً بامتياز؛ فبينما تخضع مدينة السليمانية لسيطرة نفوذ إيراني واضح وتحظى بدعم من مرجعية النجف، وتُصنف كمعبر لنقل الأسلحة واللوجستيات من إيران إلى سوريا ولبنان، تبرز أربيل ودهوك كمعاقل للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتبنى علاقات وطيدة مع تركيا ويقف في خندق مناهض للتمدد الإيراني، وهو ما يجعل أي اجتماع كردي مرشحاً للفشل في ظل تضارب هذه الولاءات.
توقعات بتحولات جذرية ودور المبعوث الأمريكي الجديد
توقع خبير التخطيط الاستراتيجي بسام شكري أن يشهد المشهد السياسي في العراق تغييرات دراماتيكية وجذرية خلال الأسبوعين القادمين، مدفوعة بحالة الحرب التي تسود المنطقة وبدء المبعوث الأمريكي الجديد لمهامه الفعلية.
وأشار شكري إلى أن المبعوث الأمريكي قد يضطر للتصرف بصفة "حاكم عسكري" نظراً للضرورات الأمنية والسياسية، مما قد يدفعه لاتخاذ إجراءات استثنائية تشمل إعلان حظر التجوال أو تجميد عمل الحكومة الحالية لإيقاف "نزيف نهب الأموال العامة" المستمر
ويرى شكري أن هذه الخطوات تأتي لحين الانتهاء من ترتيبات الملفات الشائكة مثل ملف تنظيم "داعش" وإعادة هيكلة المنظومة المالية، مما يعني أن العراق مقبل على مرحلة ضبط إيقاع صارمة تقودها واشنطن لإنهاء حالة الفوضى الإدارية والمالية التي تعصف بمؤسسات الدولة منذ سنوات طويلة.
صراع المكونات على منصب رئاسة الجمهورية
تطرق التحليل إلى عقدة "العرف السياسي" في العراق، حيث أشار بسام شكري إلى أن هناك رغبة أمريكية وسنية واضحة في كسر احتكار المكون الكردي لمنصب رئيس الجمهورية، سعياً لفتح آفاق سياسية جديدة تتجاوز التفاهمات التقليدية التي أرسيت بعد عام 2003.
في المقابل، يستميت الكرد والشيعة في الدفاع عن بقاء هذا المنصب ضمن الحصة الكردية لضمان استمرار التوازن الحالي الذي يخدم مصالح الطرفين في مواجهة الطموحات السنية المتصاعدة، هذا التدافع بين المكونات يضيف طبقة أخرى من التعقيد فوق الخلاف الكردي-الكردي، ويجعل من منصب الرئيس نقطة ارتكاز في صراع أكبر حول هوية النظام السياسي القادم وقدرة المكونات على إعادة توزيع السلطة والثروة في ظل المتغيرات الدولية الكبرى التي تقودها إدارة ترامب تجاه الملف الإيراني والعراقي.
العراق بين مطرقة الانقسام وسندان التدويل
ويرسم بسام شكري صورة مضطربة لمستقبل العملية السياسية في العراق إذا ما استمر الفشل في التوصل إلى اتفاقات وطنية حقيقية. إن ربط القرارات السيادية بمفاوضات مسقط، وتحول السليمانية وأربيل إلى نقاط نفوذ متصارعة إقليمياً، يضع العراق على حافة "إعادة هيكلة" قسرية قد تقودها واشنطن عبر مبعوثها الجديد وإن السيناريوهات المحتملة تشير إلى أن الفشل في الاجتماعات الكردية القادمة لن يؤدي فقط إلى فراغ دستوري، بل قد يكون الذريعة لتدخل دولي مباشر لإعادة ترتيب البيت العراقي من الصفر، بعيداً عن القوى التقليدية التي تُتهم بالفشل في حماية السيادة وإيقاف هدر الأموال، ليبقى الأسبوعان القادمان هما الاختبار الحقيقي لقدرة القوى المحلية على النجاة من إعصار التغيير القادم.








