استيقظت مقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا، على وقع مأساة دامية هزت أركان المجتمع الدولي، حيث شهدت مدرسة "تومبلر ريدج" الثانوية ومنزل مجاور لها حادثة إطلاق نار مروعة أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة أكثر من 25 آخرين.
وبحسب تقرير نشرته وكالة "أسوشيتد برس" أمس الأربعاء فإن من بين القتلى امرأة تبلغ من العمر 18 عاماً، يعتقد المحققون في سلك شرطة الخيالة الملكية الكندية أنها المنفذة الوحيدة للهجوم، حيث عُثر على جثتها داخل أسوار المدرسة بعد أن أقدمت على الانتحار عقب ارتكاب مجزرتها التي طالت طلاباً وعائلات في منطقة جبلية نائية.
وتشير التفاصيل الميدانية إلى أن الهجوم لم يقتصر على أروقة المدرسة التي تضم نحو 175 طالباً، بل امتد ليشمل منزلاً قريباً عُثر فيه على جثتي شخصين، مما يرفع حصيلة الضحايا الإجمالية إلى تسعة قتلى، في حين نُقل المصابون إلى مراكز طبية، منهم حالتان في وضع حرج للغاية.
وتأتي هذه الحادثة لتعيد التساؤلات حول فعالية المنظومة الأمنية الكندية، خاصة وأن المشتبه بها كانت معروفة لدى السلطات ولها سجل سابق من الزيارات الشرطية لمنزلها، وهو ما يفتح باب النقد واسعاً حول التقاعس في اتخاذ إجراءات احترازية استباقية قبل وقوع الكارثة في مجتمع صغير لم يتجاوز عدد سكانه 2700 نسمة.
توظيف سياسي للجراح
في الوقت الذي كانت فيه عائلات الضحايا تنتظر خلف الحواجز الأمنية لمعرفة مصير أبنائها، سارع رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، إلى إصدار تصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي يعبر فيها عن صدمته وحزنه، معلناً إلغاء رحلاته الدولية المقررة إلى هاليفاكس وألمانيا. غير أن هذا الخطاب الرسمي لا يخلو من محاولات التوظيف السياسي، حيث استغلت الحكومة الحادثة للتذكير بتدابير السيطرة على الأسلحة والحظر الموسع على "الأسلحة الهجومية"، وهي مفارقة تبدو صارخة بالنظر إلى فشل هذه القوانين "الصارمة" في منع فتاة في الثامنة عشرة من عمرها من حصد أرواح الأبرياء في مدرسة ثانوية، مما يبرز فجوة عميقة بين الخطاب التشريعي والواقع الميداني.
وعلى الجانب الآخر، تبرز ازدواجية المعايير الدولية بشكل فج عند مقارنة التفاعل الرسمي مع هذه الحادثة وبين الموقف الكندي والأمريكي تجاه المجازر المستمرة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين منذ أكتوبر 2023.
بينما يهرع القادة للتضامن مع ضحايا "تومبلر ريدج" ويعتبرونها "مأساة لا يمكن تصورها"، تظل الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب توفر الغطاء المباشر والسلاح لقتل آلاف الأطفال في غزة، في شراكة واضحة تكرس زيف الادعاءات الغربية بحماية حقوق الإنسان وحياة المدنيين، وتكشف أن القوانين الدولية تُستدعى فقط عندما تخدم مصالح القوى الكبرى أو عندما تسيل الدماء في بلاد الشمال.
ندوب الذاكرة الكندية
تعتبر هذه الحادثة الأكثر دموية في كندا منذ عام 2020، وهي تضع بلدية "تومبلر ريدج" في مواجهة كابوس طويل، حيث صرح رئيس البلدية، داريل كراكوفكا، بأنه يشعر بالانهيار لكونه يعرف معظم الضحايا شخصياً في مجتمع يعيش كعائلة واحدة.
إن السير في ممرات المدرسة لن يعود كما كان، وفقاً لما ذكره القس جورج رو الذي عمل مدرساً فيها لسنوات، مما يعكس حجم الندوب النفسية التي ستخلفها هذه المجزرة في ذاكرة الأجيال القادمة، وسط حالة من الغموض لا تزال تكتنف دوافع المنفذة وعلاقتها الفعلية بالضحايا الذين سقطوا في المنزل المجاور.
إن استمرار وقوع مثل هذه الحوادث في دول تدعي امتلاكها لأكثر القوانين صرامة في العالم، يثبت أن الحلول الأمنية القشرية والخطابات السياسية الرنانة لا تكفي لعلاج جذور العنف.
ومع استمرار التحقيقات وتكشف هوية الضحايا، يبقى الشارع الكندي تحت تأثير الصدمة، بينما تواصل الحكومة استثمار الحدث لتمرير استراتيجيات دفاعية طال انتظارها، في مشهد يتكرر فيه غياب المحاسبة الحقيقية للمقصرين في الملفات الأمنية والاجتماعية، بينما تستمر آلة الحرب والقتل في حصد الأرواح سواء عبر حوادث إطلاق النار العشوائية أو عبر التدخلات العسكرية الخارجية الممنهجة التي تدعمها القوى الكبرى.









