4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

مسار واشنطن – تل أبيب – طهران: لعبة تفاوضية بين الدبلوماسية والردع

في قلب واحدة من أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا في الشرق الأوسط والعالم، يبرز «مسار واشنطن – تل أبيب – طهران» كمحرك أساسي للصراع بين الدبلوماسية العسكرية والردع الأمني

بقلم: سماح عثمان
١٢ فبراير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
9 مشاهدة
مسار واشنطن – تل أبيب – طهران

مسار واشنطن – تل أبيب – طهران

في قلب واحدة من أكثر الملفات الأمنية تعقيدًا في الشرق الأوسط والعالم، يبرز «مسار واشنطن – تل أبيب – طهران» كمحرك أساسي للصراع بين الدبلوماسية العسكرية والردع الأمني. هذا المسار لا يقتصر على مفاوضات بين واشنطن وطهران وحدهما، بل يتداخل فيه الدور الإسرائيلي كطرف فاعل يسعى لتوجيه السياسات الأمريكية، وفي المقابل تستغل إيران كل فرصة لتقوية موقعها الاستراتيجي، بينما تلعب الوساطات الإقليمية دورًا تكتيكيًا لتفادي مواجهة مفتوحة.

طهران وجذور الأزمة

بدأت بوادر التوتر بين واشنطن وطهران منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018، حيث فرضت أمريكا عقوبات اقتصادية وعسكرية مشددة على إيران، وبينما تزعم طهران سلمية برنامجها النووي، تصر واشنطن على أنه يمثل تهديدًا أمنيًا خطيرًا إذا ما تجاوز نطاق الاستخدام المدني.

على هذا الأساس، ظهرت جولات تفاوضية غير مباشرة في عُمان ومدن أخرى، تركزت حول إعادة إحياء أو إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي، لكن الحدود الحمراء بين الطرفين جعلت الوصول إلى اتفاق شامل شبه مستحيل حتى الآن.

واشنطن وطهران: بين الشروط والضغوط

1. خطوط أمريكية صارمة

تتمسك واشنطن بقيود صارمة على تخصيب اليورانيوم، بل تطالب أحيانًا بـ«صفر تخصيب» على الأراضي الإيرانية، وهو مطلب تصفه إيران بأنه يتجاوز نطاق التفاوض ويشكل محاولة لإضعاف قدراتها النووية ورسالة ردع مبطنة للمشروع الإيراني.

من جانبها، إيران ترفض التخلي عن حقها في تخصيب اليورانيوم حتى للأغراض السلمية، وتعتبر تدخل واشنطن في هذا الشأن تعديًا على سيادتها وحقوقها المشروعة وفق معاهدات عدم انتشار الأسلحة النووية.

2. الضمانات مقابل الاستفزازات

إحدى أبرز النقاط التي طرحتها إيران خلال حوارها مع واشنطن هي ضرورة تقديم ضمانات «موثوقة» تمنع تكرار الهجمات أو الانسحاب الأمريكي من الاتفاق مستقبلًا، وهي إشارة واضحة إلى فقدان الثقة نتيجة انسحاب واشنطن من الاتفاق السابق دون تعويضات أو التزامات طويلة الأمد.

لكن حتى مع هذه المطالب، تظل المسارات الدبلوماسية هشة، لأن كل خطوة تعقبها تصريحات متناقضة أو إجراءات ميدانية تزيد من التوتر بدلًا من خفضه. وهذا التناقض يثير تساؤلات حول صدقية النوايا الحقيقية لكل طرف في الوصول إلى حل تفاوضي فعّال.

تل أبيب: الطرف الثالث المؤثر

1. القلق الإسرائيلي المتصاعد

ترى حكومة بنيامين نتنياهو في أي اتفاق بين واشنطن وطهران، مهما كان مؤقتًا أو مبدئيًا، تهديدًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي، لأنها تستند إلى قناعة بأن إيران قد تستغل أي تخفيف في الضغط الدولي لتعزيز قدراتها العسكرية، خاصة الصاروخية والنووية.

هذا القلق دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه إلى زيارة واشنطن في فبراير 2026 للقاء الرئيس دونالد ترامب مباشرة ومحاولة التأثير في مسار المفاوضات، مطالبًا بأن يشمل أي اتفاق محتمل ما يعتبره ملفًا أمنيًا أكبر من النووي وحده، مثل التهديد الصاروخي والدعم الإيراني لوكلائها الإقليميين.

2. الضغط وتوسيع رقعة الردع

تل أبيب لم تكتفِ بالضغط السياسي والدبلوماسي، بل عملت على تعزيز منظوماتها الدفاعية المشتركة مع الولايات المتحدة، مثل تطوير وتحديث أنظمة الدفاع الجوي وصواريخ الردع التكتيكي، في محاولة لخلق معادلة ردع مزدوجة ضد أي تهديد إيراني محتمل.

ورغم أن بعض المسؤولين الأمريكيين يؤكدون استمرار التزام واشنطن بالدبلوماسية، فإن الولايات المتحدة لا تتردد في إظهار القوة كخطة بديلة في حال فشل المفاوضات مع إيران – وهي رسالة موجهة في نفس الوقت إلى طهران وتل أبيب.

المفاوضات في مسقط: لعبة شبحية

شهدت العاصمة العمانية – مسقط – جولات تفاوضية بين واشنطن وطهران وصفتها تقارير بأنها تجري في أجواء «جادة وإيجابية»، لكن النتائج الفعلية لا تزال ضئيلة، ولم تُفض إلى اتفاق ملموس يضع حدًا للتوتر القائم.

تكمن أهمية هذه الجولات في أنها تمثل محاولة من الطرفين لإيجاد وسيلة للخروج من مأزق التصعيد، فالولايات المتحدة تدرك أن الخيار العسكري مكلف وشبه مستحيل في الأجل القصير، بينما إيران لا يمكنها تحمل ضربة جديدة دون تأثير كبير على استقرار النظام.

هذا التوازن الهش بين الرغبة في التفاوض والاستعداد لتصعيد عسكري يجعل من كل جولة تفاوضية محطة اختبار لما يمكن أن يكون „اتفاقًا مرحليًا“ أو „هدنة مؤقتة“ في ملف طالما أثار قلق المجتمع الدولي.

الردع والضمانات: بين وهم التوازن والسيادة القومية

تكمن الجوانب الأساسية لمسار واشنطن – تل أبيب – طهران في محاولة كل طرف لإعادة صياغة قواعد اللعبة:

  • الولايات المتحدة تحاول إيجاد حل دبلوماسي يضمن كبح طموحات إيران النووية مع الحفاظ على مكانتها كقوة مهيمنة في المنطقة.

  • إسرائيل تسعى إلى ضمانات أمنية أوسع تشمل كبح القدرات الصاروخية الإيرانية والنفوذ الإقليمي لطهران.

  • إيران ترفض التنازل عن حقوقها السيادية وتطالب بضمانات تحميها من أي تحرك عسكري أو انسحاب أحادي الجانب من الاتفاقات.

وهكذا، يمكن اعتبار الردع في هذا السياق ليس مجرد عرض قوة عسكرية، بل أيضًا مزيجًا من المواقف السياسية في التفاوض، حيث يسعى كل طرف إلى إقناع الآخرين بأنه قادر على دفع الثمن إذا ما فشل المسار الدبلوماسي.

نهاية غير متوقعة

على الرغم من استمرار هذه الدورة من التفاوض والتهديد والاستعراض، يبدو أن الطريق نحو اتفاق شامل ومستدام لا يزال طويلاً وشاقًا، لأن الأسئلة الحقيقية حول الضمانات الأمنية، قدرات الردع، ودور كل من واشنطن وتل أبيب في تحديد مستقبل العلاقات مع طهران لم تُحل حتى الآن.

في هذا السياق، يظل المسار “مثل شعرة معاوية” كما يصفه بعض المحللين: هشًّا، متأرجحًا، وقد يقود إما إلى انفراج دبلوماسي محدود أو إلى تصعيد يصعب السيطرة عليه.

الكلمات المفتاحية:#طهران#إيران#واشنطن

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال