ترى الباحثة والكاتبة السياسية الفلسطينية الدكتورة تمارا حداد أن منطقة الشرق الأوسط تعيش مرحلة انتقال جذري في طبيعة توازنات الردع، حيث تراجع مفهوم الردع التقليدي المبني على القوة العسكرية الصلبة لصالح ما أسمته "الردع المركب" أو "الردع الشبكي".
وتوضح حداد في تصريحات خاصة لموقع "180 تحقيقات" أن هذا النوع الجديد من الردع يمنع نشوب حرب شاملة لكنه يسجن المنطقة في أصعب المعادلات السياسية وهي معادلة "اللا حرب واللا سلم" ، هذه الحالة تخلق استقراراً هشاً وتصعيداً موضوعياً دائماً، حيث لم يعد الحسم العسكري أولوية للأطراف الكبرى نتيجة التكلفة الباهظة اقتصادياً وسياسياً، وبدلاً من المواجهة المباشرة، يتم استخدام أدوات القانون الدولي، التحالفات الأمنية الإقليمية في مناطق حيوية كالبحر الأحمر ومضيق هرمز، والحصار الاقتصادي لتقييد حركة الخصوم وعزلهم دولياً، كما يحدث في محاولات محاصرة إيران وتقييد حركتها عبر منظومات متعددة الشبكات.
تراجع القدرة الأمريكية والاعتماد على إدارة التوازنات لا حسمها
تشير الدكتورة تمارا حداد إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت تماماً عدم جدوى الحسم العسكري المطلق، خاصة مع قوى تمتلك ترسانة صاروخية معقدة مثل إيران، حيث أن أي مغامرة عسكرية قد تتحول إلى حرب شاملة تضر بالمصالح الأمريكية الاستراتيجية وتصطدم بمصالح قوى عظمى أخرى مثل الصين وروسيا اللتين ترفضان انفجار المنطقة وبناءً على ذلك، تراجعت القدرة الأمريكية على فرض حلول أحادية الجانب، وتحولت استراتيجية واشنطن إلى "إدارة التوازنات" و"تدوير الأزمات" بدلاً من حسمها. وأصبح الخيار العسكري مجرد قاعدة احتياطية أو واقعاً ثانوياً يُستخدم لتحسين شروط التفاوض، بينما تتصدر الدبلوماسية الحاسمة والانتشار البحري والعمليات السيبرانية المشهد كأدوات ضغط بديلة. هذا التحول يعني أننا أمام مرحلة لا فائز فيها ولا خاسر، بل استنزاف متبادل عبر مفاوضات مستمرة تحت ضغط الحصار العسكري ومنظومات الدفاع المتطورة.
غزة والضفة والقدس: أدوات في لعبة إقليمية كبرى لا تنتهي
تعتبر الدكتورة تمارا حداد أن تعثر التهدئة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس لا يمكن قراءته ضمن سياق محلي فلسطيني-إسرائيلي فحسب، بل هو جزء أصيل من لعبة أكبر في الشرق الأوسط، حيث تحولت غزة إلى ساحة اختبار لمدى تحمل إسرائيل للضغط غير المباشر من محور إيران.
وتصف حداد الوضع في غزة بأنه دخل مرحلة "اللا حرب واللا سلم"، وهي الحالة التي تنطبق أيضاً على الملف الإيراني. أما في الضفة الغربية، فتشهد البيئة السياسية عملية "تفريغ تدريجي" لخلق واقع أمني طويل الأمد يفتقر لأي أفق سياسي، مما يحول التعامل مع الملف الفلسطيني من مسار تفاوضي وطني إلى "تعامل أمني صرف" غير حاسم وقابل للانفجار في أي لحظة حتى المناطق المقدسة، ورغم رمزيتها الدينية الكبيرة، تفتقر حالياً لأي ترتيبات مستقرة، مما يبقي المنطقة بأكملها على صفيح ساخن يغيب عنه الحسم وتسيطر عليه الترتيبات المؤقتة والضمانات غير المؤكدة.
غياب الأفق السياسي ومخاطر الانفجار في ظل الهدوء الهش
تؤكد حداد أن غياب المستقبل السياسي الواضح لغزة والضفة هو النتيجة الطبيعية لسياسة "إنتاج الأزمات" التي تتبعها القوى الكبرى، حيث يتم استبدال الحلول الجذرية بترتيبات سياسية وقانونية متفاوض عليها لا تعطي نتائج نهائية هذا الردع متعدد المسارات لا يمنح نتائج حاسمة، بل يؤدي إلى "هدوء هش" قد ينهار عند أي اختلال في أحد مسارات التفاوض.
وتشرح الباحثة الفلسطينية أن إيران من جهتها تستخدم أسلوب ردع عبر وكلائها لتجنب المواجهة المباشرة، بينما تعتمد واشنطن على "إدارة التصعيد" عبر العقوبات والضمانات غير الرسمية، في نهاية المطاف، أصبحنا أمام معادلة معقدة لا يستطيع أحد فيها التنبؤ بالنتائج النهائية، حيث انتقل مركز الثقل من الصدام العسكري المباشر إلى ترتيبات سياسية متفاوض عليها في اتجاهات متعددة، مما يجعل مستقبل المنطقة رهيناً لاتفاقات هشة لا تنهي ملفات غزة أو إيران أو لبنان، بل تبقيها في حالة استنزاف دائم.
وترسم الدكتورة تمارا حداد صورة قاتمة ومستقرة في آن واحد لمنطقة الشرق الأوسط في عام 2026؛ فبينما يغيب شبح الحرب الشاملة نتيجة توازن الرعب والردع المركب، يغيب أيضاً أمل السلام الشامل والحسم العادل للملفات العالقة وإن استخدام أدوات القانون الدولي كإزاحة ضغط بديلة عن القوة الصلبة، وتدويل الأزمات بلا حسم، يضع المنطقة أمام نموذج استقراري زائف يخبئ خلفه نيران الغضب والاحتياج السياسي، وسيبقى الردع العسكري هو "القاعدة الاحتياطية" التي يخشى الجميع استخدامها، لتظل السياسة والمفاوضات هي الأولوية الأولى، ولكنها مفاوضات تهدف إلى تحسين الشروط وتعزيز التهدئة وفق الرؤى الأمريكية والإسرائيلية، مما يعني أن الشعوب، وتحديداً الشعب الفلسطيني، ستظل تدفع ثمن هذه "الترتيبات المؤقتة" بانتظار لحظة قد ينفجر فيها هذا الصفيح الساخن بعيداً عن حسابات المختبرات السياسية الدولية.










