كشفت هيئة البث العبرية الرسمية أن إسرائيل سمحت لعناصر ما يُعرف بـ“ميليشيا أبو شباب” بالمشاركة في تفتيش الفلسطينيين الداخلين والمغادرين عبر معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر.
ووفق التقرير، تأمل الميليشيا أن تتولى هذه المهمة بشكل دائم، فيما أظهرت صورة التُقطت في الجانب الفلسطيني من المعبر غسان الدهيني، رئيس الميليشيا، برفقة عدد من عناصره. وتشير المعطيات إلى أن وجودهم يتم بموافقة إسرائيلية، مع احتمال السماح لهم بإجراء تفتيش جسدي لمشتبهين.
إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح في 2 فبراير 2026 جرت بصورة محدودة وتحت قيود مشددة، بعد أشهر من المماطلة رغم نص اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. غير أن الجديد لم يكن في فتح المعبر ذاته، بل في طبيعة القوة التي يُراد لها أن تضطلع بدور أمني داخله.
دعم سري معلن
صحيفة “يديعوت أحرونوت” كشفت أن إسرائيل تدعم سرًا ميليشيات مسلحة في غزة بالمال والسلاح والحماية الميدانية، بهدف استخدامها في مواجهة “حماس”، وأن هذه المجموعات تتحرك في مناطق انتشار الجيش بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار.
وبحسب التقرير، تُكلف هذه الميليشيات بمهام تكتيكية ضيقة مثل الملاحقة والاعتقال، وإرسال عناصر للبحث عن مقاتلي حماس في الأنفاق أو بين الأنقاض. وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد أقر في يونيو 2025 بتسليح مجموعات داخل غزة لاستخدامها ضد الحركة.
هذا الإقرار، مع التقارير المتتابعة، يشير إلى أن ما بدأ كتكتيك ميداني محدود يتحول تدريجيًا إلى مكوّن ضمن رؤية أوسع لإدارة القطاع بعد الحرب، عنوانها: تفكيك احتكار القوة لدى “حماس” عبر قوى محلية بديلة.
تفكيك احتكار القوة
الرهان الإسرائيلي الظاهر يقوم على خلق توازن قوى داخلي داخل غزة، بحيث لا تبقى “حماس” اللاعب الأمني الوحيد. استخدام ميليشيات محلية، خصوصًا ذات امتدادات عشائرية، يهدف إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ الميداني وخلق واقع أمني متعدد الأقطاب.
في هذا السياق، يبدو إشراك ميليشيا أبو شباب في معبر رفح خطوة تتجاوز البعد الإجرائي. المعابر تمثل شريان السيادة والتحكم بالحركة والبضائع والأفراد. ومنح ميليشيا محلية دورًا في التفتيش يعني إدخال فاعل غير رسمي إلى صلب وظيفة سيادية حساسة.
كما أن مقتل ياسر أبو شباب في صراعات عشائرية سابقة، وتأكيد قبيلة الترابين مقتله، يكشف هشاشة البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها هذه التشكيلات، ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على الصمود أو التحول إلى بنية مستقرة طويلة الأمد.
إدارة غير مباشرة
من منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذه الخطوات ضمن نموذج “الإدارة غير المباشرة”. فبدلاً من الانخراط في احتلال إداري كامل ومكلف لغزة، تسعى إسرائيل – وفق هذا التصور – إلى إدارة المشهد عبر وكلاء محليين يتحملون العبء اليومي للاحتكاك مع السكان.
هذا النموذج يمنح إسرائيل عدة مزايا: تقليص الخسائر البشرية في صفوفها، تخفيف الضغط الدولي المرتبط بالاحتلال المباشر، وإبقاء السيطرة الأمنية العليا بيدها دون تحمّل كامل المسؤولية المدنية.
لكن المخاطر المقابلة كبيرة. إذ قد يؤدي تسليح فصائل محلية إلى تعزيز منطق الميليشيات على حساب أي مشروع حكم مركزي، ويهدد بتكريس انقسام أمني داخلي قد ينزلق إلى صراعات عشائرية أو تصفية حسابات.
سيناريوهات السيطرة
الدور المفترض للميليشيات مستقبلاً يمكن أن يتخذ عدة مسارات:
أولًا، توسيع مهامها من وظائف تكتيكية إلى أدوار شرطية محلية في مناطق محددة، بما يشبه “أمنًا أهليًا” تحت إشراف إسرائيلي.
ثانيًا، استخدامها كقوة مواجهة مباشرة مع “حماس” في حال انهيار وقف إطلاق النار، ما يجعلها رأس حربة في أي صدام داخلي.
ثالثًا، إدماجها ضمن ترتيبات أوسع لإدارة مدنية–أمنية انتقالية، إذا ما فشلت الجهود الدولية في بلورة صيغة حكم بديلة تحظى بإجماع فلسطيني.
غير أن كل هذه السيناريوهات تصطدم بمعضلة الشرعية. فالميليشيا التي ترتبط بدعم خارجي وتتحرك تحت مظلة قوة محتلة ستواجه صعوبة في اكتساب قبول اجتماعي واسع، ما قد يحصر دورها في نطاق أمني ضيق قائم على القوة لا الرضا.
مستقبل غزة الأمني
التحول الجاري في معبر رفح ليس تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر على توجه أعمق لإعادة تشكيل بنية السيطرة في غزة عبر فاعلين محليين مسلحين. وإذا استمر هذا المسار، فقد نشهد انتقالًا من نموذج “العدو المركزي الواحد” إلى نموذج “تعدد القوى المتنازعة” داخل القطاع.
السؤال المحوري يبقى: هل تنجح إسرائيل في هندسة واقع أمني جديد في محاولاتها للتصدي للمقاومة الفلسطينية دون أن يفجّر صراعًا داخليًا أوسع؟ أم أن تسليح الميليشيات سيعيد إنتاج تجربة قوى محلية مسلحة خارجة عن السيطرة، بما يحول غزة إلى ساحة نفوذ متشظية؟
بين تكتيك مرحلي واستراتيجية بعيدة المدى، تبدو الميليشيات اليوم أداة اختبار لمرحلة ما بعد الحرب. غير أن أي مشروع سيطرة يقوم على تفكيك البنية الداخلية للمجتمع المسلح، دون أفق سياسي جامع، يظل محفوفًا باحتمال الانفجار أكثر من الاستقرار.









