أكد جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، اليوم الخميس، أن طواقمه الميدانية تواجه صعوبات لوجستية وبشرية غير مسبوقة خلال عمليات البحث والانتشال المستمرة في المناطق المتضررة.
وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني أن الفرق لاحظت ظاهرة مقلقة تتمثل في اختفاء وتحلل جثامين مئات المواطنين، وهو ما يعزى إلى طول الفترة الزمنية التي قضتها تحت الأنقاض وتأثير العوامل الجوية القاسية.
إن هذه الصعوبات لا تقتصر فقط على الجانب التقني، بل تمتد لتشمل الجانب النفسي والبيئي، حيث تزيد الروائح المنبعثة والتحلل الكيميائي للأنسجة من مخاطر الإصابة بالأمراض بين طواقم الإنقاذ والمواطنين المجاورين.
لغز المفقودين والآلاف تحت الأنقاض: أرقام تجسد حجم المأساة
تشير الإحصائيات الصادرة عن الدفاع المدني إلى واقع مرعب يتجاوز قدرة أي منظمة إنسانية على الاحتمال، حيث لا يزال أكثر من 3 آلاف شخص في عداد المفقودين، ولا تتوفر أي معلومات حول مصيرهم وما إذا كانوا عالقين تحت الأنقاض أو ارتقوا في غارات لم تصل إليها الفرق أو حتى تم احتجازهم في ظروف مجهولة.
وبالتوازي مع هذا الملف الشائك، كشف الدفاع المدني أن نحو 8 آلاف جثمان لا تزال قابعة تحت أنقاض المنازل والمنشآت المدنية رغم محاولات الانتشال المضنية.
هذه الأرقام الضخمة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية، إذ أن بقاء الجثامين تحت الركام لفترات طويلة يمنع العائلات من إكرام موتاهم ودفنهم، ويحول دون توثيق أعداد الضحايا الحقيقية بشكل دقيق، مما يجعل من عملية البحث عن المفقودين معركة يومية بين الأمل المفقود والواقع المأساوي الذي يفرضه ركام الدمار.
الظروف البيئية والنداءات الدولية
أوضح فريق الدفاع المدني أن الظروف الميدانية الصعبة تزداد تعقيداً مع مرور الوقت، حيث تشكل الانهيارات المستمرة في الكتل الخرسانية المتصدعة خطراً داهماً على حياة المنقذين أنفسهم.
كما أشار الناطق باسم الجهاز إلى أن الحرارة المرتفعة في بعض المواقع، الناتجة عن التفاعلات الكيميائية تحت الأنقاض أو حرارة الجو، تسرع من وتيرة تحلل الجثامين وتجعل من عملية التعرف عليها عبر الملامح أو الحمض النووي أمراً في غاية الصعوبة.
إن هذه الظروف القاهرة تجعل من الانتشال الآمن عملية بطيئة للغاية، وتتطلب تقنيات متطورة لا تتوفر في قطاع غزة المحاصر وبناءً عليه، فإن الفرق تعمل بأدوات بدائية ويدوية في معظم الأحيان، مما يستنزف وقتاً وجهداً مضاعفاً، ويترك آلاف العائلات في حالة من الانتظار القاتل لمعرفة مصير ذويهم العالقين في "قيعان" المباني المهدمة.
مطالبات بدعم دولي عاجل لتسريع جهود الإنقاذ وتفادي الكارثة البيئية
أمام هذا المشهد الجنائزي، يجدد الدفاع المدني في غزة مطالبته للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية بضرورة التدخل الفوري لتوفير المعدات الثقيلة، وأجهزة الاستشعار الحراري، وأدوات التنقيب المتطورة لتسريع عمليات الانتشال.
إن استمرار هذا الوضع ينذر بتداعيات بيئية وصحية خطيرة قد تؤدي إلى انتشار الأوبئة نتيجة تحلل آلاف الجثامين في المناطق السكنية. كما يشدد الدفاع المدني على ضرورة الضغط لفتح ممرات آمنة لإدخال الوقود اللازم لتشغيل ما تبقى من آليات متهالكة.
إن الدعم الدولي ليس مجرد حاجة تقنية، بل هو ضرورة أخلاقية لإنهاء معاناة آلاف الأسر التي تنتظر انتشال أبنائها، ولضمان توثيق هذه الجرائم الإنسانية قبل أن تمحو عوامل الزمن والطبيعة معالم الجثامين المفقودة، مما يجعل من سرعة الاستجابة الدولية الفارق الوحيد بين دفن الضحايا بكرامة أو بقائهم منسيين تحت الركام.










