21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

تونس بين تأجيل قضية مجمع قابس والصدام النقابي.. مأزق الدولة بين البيئة والاقتصاد

تكشف الحالتان عن دولة تحاول إدارة أزمات متداخلة: بيئية، اقتصادية، واجتماعية، ضمن سياق سياسي استثنائي. ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة المؤسسات التونسية على إنتاج تسويات متوازنة.

بقلم: أخبار ومتابعات
١٣ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
9 مشاهدة
تونس

تونس

للمرّة السابعة، يؤجّل القضاء التونسي البتّ في قضية استعجالية تتعلّق بتعليق نشاط الوحدات الصناعية الملوِّثة في المجمّع الكيميائي بقابس، ما وضع المحكمة في قلب معادلة تتجاوز البعد القانوني إلى رهانات سياسية واقتصادية ثقيلة. فالقضية لم تعد مجرد نزاع إداري بين محامين وإدارة منشأة صناعية، بل تحوّلت إلى اختبار لقدرة القضاء على موازنة الحق في بيئة سليمة مع اعتبارات الإنتاج والتشغيل والاستقرار المالي.

رئيس الفرع الجهوي لهيئة المحامين بقابس، منير العدوني، أوضح أن الدائرة الاستعجالية مدّدت النظر في الملف إلى 26 فبراير، مؤكداً أن عدم إصدار حكم حينها قد يُصنّف قانونياً في خانة “إنكار العدالة”. ويستند هذا المفهوم إلى ضمانات دستور 2022 الذي يكرّس الحق في التقاضي والمحاكمة العادلة، ما يجعل التأجيل المتكرر موضع مساءلة أخلاقية وقانونية في آن واحد.

غير أن طبيعة الملف تكشف صعوبة الحسم القضائي، إذ يتعلق بمؤسسة صناعية استراتيجية تنتج الفوسفاط ومشتقاته وتؤمّن صادرات وموارد مالية للدولة. وبالتالي، فإن أي قرار بتعليق النشاط أو تفكيك الوحدات الملوِّثة ستكون له كلفة اقتصادية مباشرة، وهو ما يضع القضاء بين مطرقة حماية الصحة العامة وسندان التوازنات المالية.

البيئة بين السياسة والاقتصاد

يمثل المجمّع الكيميائي التونسي في قابس أحد أبرز مصادر التلوث الصناعي في البلاد منذ أكثر من خمسة عقود، وسط مطالب مجتمعية متواصلة بنقل وحداته أو تفكيكها. وكانت الحكومة قد أعلنت عام 2017 التزامها بوقف سكب الفسفوجيبس في البحر وتحديث الوحدات الصناعية، إلا أن التنفيذ بقي محدوداً، ما عمّق فجوة الثقة بين الدولة والسكان.

من احتجاج على التلوّث الناجم عن المجمّع الكيميائي في قابس، 11 فبراير 2026 (فيسبوك)
من احتجاج على التلوّث الناجم عن المجمّع الكيميائي في قابس، 11 فبراير 2026 (فيسبوك)


 

اللافت أن البنك الأفريقي للتنمية وافق أخيراً على تمويل بقيمة 110 ملايين دولار لإعادة تأهيل وحدات الإنتاج في قابس والصخيرة والمظيلة، بهدف تقليص التلوث وتحسين الأداء البيئي. هذا التطور يعكس توجهاً رسمياً نحو المعالجة التقنية التدريجية بدل الإغلاق الفوري، وهو خيار يحاول التوفيق بين متطلبات البيئة واستمرار الدورة الاقتصادية.

في المقابل، يرى ناشطون في حملة “ستوب بوليوشن” أن قرار التفكيك سياسي بالأساس، ويتطلب إرادة مباشرة من رئاسة الجمهورية بقيادة قيس سعيّد، معتبرين أن المسار القضائي وحده غير كافٍ. وهنا تتجلى إشكالية العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية في ملفات بيئية ذات كلفة اقتصادية مرتفعة، حيث يصبح الحكم القضائي جزءاً من توازنات أوسع لا تقتصر على النص القانوني.

تونس وديناميات الحكومة والنقابات

في موازاة الجدل البيئي، يتصاعد التوتر بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، الذي حمّل السلطة مسؤولية تعطيل الحوار الاجتماعي والتنصل من الاتفاقيات الموقعة. ويتهم الاتحاد الحكومة بضرب مبدأ المفاوضة الجماعية، في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، ما يعكس صراعاً حول توزيع أعباء الأزمة الاقتصادية.

يرفض الاتحاد العام التونسي للشغل ما يصفها بـ«سياسات تهميشه» من الحكومة في تونس - غيتي
يرفض الاتحاد العام التونسي للشغل ما يصفها بـ«سياسات تهميشه» من الحكومة في تونس - غيتي


 

تاريخياً، شكّل الاتحاد لاعباً محورياً في التوازنات السياسية والاجتماعية، وساند إجراءات 25 يوليو 2021 في بدايتها قبل أن يبدي تحفظات لاحقاً. هذا التحول يعكس ديناميكية معقدة بين منظمة نقابية ذات ثقل شعبي وسلطة تنفيذية تسعى إلى تثبيت مسار سياسي جديد، وسط ضغوط مالية داخلية وخارجية.

الحكومة من جهتها تؤكد التزامها بالدستور والمعايير الدولية، وتبدي استعداداً للتفاوض ضمن “إمكانات الدولة”، في إشارة إلى محدودية الموارد. لكن النقابات ترى أن هذا الخطاب يبرر تجميد الاتفاقات الاجتماعية، ما يفاقم الاحتقان ويهدد السلم الاجتماعي في ظرف اقتصادي هش.

تقاطع البيئي والاجتماعي

القاسم المشترك بين الملف البيئي في قابس والصراع النقابي يتمثل في سؤال توزيع الكلفة: من يتحمل ثمن الإصلاح؟ ففي قضية المجمّع الكيميائي، يتعلق الأمر بكلفة بيئية وصحية مقابل عائد اقتصادي وتشغيلي. وفي النزاع الاجتماعي، يتعلق الأمر بكلفة الأجور والدعم مقابل توازنات مالية دقيقة.

القضاء يجد نفسه معنياً بالملف الأول مباشرة، لكنه يتأثر أيضاً بالمناخ العام الذي تصنعه العلاقة المتوترة بين الحكومة والنقابات. فضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين ينعكس على مناخ التقاضي، ويجعل أي حكم قضائي قابلاً للتأويل السياسي.

تكشف الحالتان عن دولة تحاول إدارة أزمات متداخلة: بيئية، اقتصادية، واجتماعية، ضمن سياق سياسي استثنائي. ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة المؤسسات على إنتاج تسويات متوازنة تضمن الحق في بيئة سليمة، وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الاقتصادي والسلم الاجتماعي، دون أن يتحول القضاء إلى ساحة لتعويض غياب القرار السياسي الحاسم.

أخبار ومتابعات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال