20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. ليون سيوفي يكتب: روض البنك الدولي… بين إنقاذ الوطن ورهن السيادة

في كُلِّ مَرَّةٍ يُطرَحُ فيها مَلَفُّ القُروضِ الدُّوَلِيَّةِ في لُبنان، يُعادُ السُّؤالُ نفسُه: هل نَحنُ أمامَ فُرصةِ إنقاذٍ أم أمامَ مَسارِ ارتهانٍ جديد؟، ومؤخّرًا، عاد البنك الدولي إلى واجهةِ النِّقاشِ السِّياسيّ، عبرَ اقتراحِ حِزمِ تمويلٍ كبيرة، شَمَلَت إعادةَ الإعمار، الحِمايةَ الاجتماعيّة، والتحوُّلَ الرَّقميّ.

بقلم: د. ليون سيوفي
١٣ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
22 مشاهدة
د. ليون سيوفي يكتب: روض البنك الدولي… بين إنقاذ الوطن ورهن السيادة

د. ليون سيوفي يكتب: روض البنك الدولي… بين إنقاذ الوطن ورهن السيادة

في كُلِّ مَرَّةٍ يُطرَحُ فيها مَلَفُّ القُروضِ الدُّوَلِيَّةِ في لُبنان، يُعادُ السُّؤالُ نفسُه: هل نَحنُ أمامَ فُرصةِ إنقاذٍ أم أمامَ مَسارِ ارتهانٍ جديد؟، ومؤخّرًا، عاد البنك الدولي إلى واجهةِ النِّقاشِ السِّياسيّ، عبرَ اقتراحِ حِزمِ تمويلٍ كبيرة، شَمَلَت إعادةَ الإعمار، الحِمايةَ الاجتماعيّة، والتحوُّلَ الرَّقميّ.

واقتُرِنت هذه العُروضُ بجلساتٍ نيابيّةٍ مُتوتّرة، غادرَ بعضُ النوّابِ خلالها القاعة، في مشهدٍ يُلخّصُ حجمَ الانقسامِ حول هذا الملفّ الحَسّاس.

يُقدِّمُ البنك الدولي للبنان ما يبدو، ظاهريًّا، حِزمةَ دعمٍ إنقاذيّ، تقومُ على تمويل إصلاح البِنى التحتيّة، ودعم الفئات الأكثر فقرًا، وتحديث الإدارة العامّة. وعلى الورق، يبدو هذا المشروع ضروريًّا في بلدٍ ينهارُ اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتتفكّك فيه الخدمات الأساسيّة.

غير أنّ السياسة لا تُقاسُ بالنوايا، بل بالشروط والنتائج. فكلُّ تمويلٍ خارجيّ يأتي مُرفَقًا بسلسلة من الإصلاحات الهيكليّة، تشمل إعادة تنظيم المؤسّسات، وضبط الإنفاق، وتعديل السياسات الماليّة والضريبيّة، وإخضاع المشاريع لرقابة خارجيّة. وهذه الشروط تُقدَّم تحت عنوان الإصلاح والشفافيّة، لكنّها عمليًّا تعني تقليصًا متزايدًا لهامش القرار الوطنيّ، وربط السياسات الداخليّة بإرادة الجهات المانحة.

من هنا، لم تكن مغادرة بعض النوّاب للجلسات التشريعيّة مجرّد حركة احتجاجيّة عابرة، بل تعبيرًا عن خشية حقيقيّة من تمرير اتفاقيّات ماليّة كبرى من دون نقاشٍ معمّق، ومن غياب رؤية وطنيّة واضحة لكيفيّة إدارة الأموال، ومن تحميل الأجيال القادمة ديونًا إضافيّة بلا ضمانات فعليّة للنجاح.

لا يمكن إنكار حقيقة أساسيّة، وهي أنّ لبنان يعيش اليوم حالة اختناق ماليّ واجتماعيّ غير مسبوقة. الدولة عاجزة، المواطن منهك، والمؤسّسات شبه مشلولة.

في مثل هذا الواقع، يصبح التمويل الخارجيّ حاجةً قسريّة، لا خيارًا حرًّا. لكنّ الخطر يبدأ حين تتحوّل الحاجة إلى اعتمادٍ دائم، والدعم إلى وصايةٍ مقنّعة، والإنقاذ إلى أداة ضغط سياسيّ واقتصاديّ.

عندها، يُجزّأ القرار الوطنيّ، وتُرتهن السياسات العامّة، ويُفرَض الإصلاح من الخارج بدل أن ينبع من الداخل. وهنا تكمن المعضلة الحقيقيّة.

في العمق، ليست المشكلة في البنك الدوليّ ولا في القروض بحدّ ذاتها، بل في بنية الدولة اللبنانيّة. فلو وُجدت إدارة كفوءة، ومؤسّسات شفّافة، وقضاء مستقلّ، ومحاسبة فعليّة، ورؤية اقتصاديّة وطنيّة، لتحوّلت هذه القروض إلى فرصة نهوض. أمّا في ظلّ الفساد والمحاصصة والزبائنيّة وغياب التخطيط، فإنّ أيّ تمويل خارجيّ يتحوّل إلى ثقبٍ أسود يبتلع المال بلا أثر تنمويّ حقيقيّ.

لبنان لا يحتاج إلى أموال فقط، بل إلى مشروع دولة، وعقد اجتماعي جديد، وإدارة حديثة، واستقلال اقتصادي تدريجي، واستثمار في الإنسان قبل الحجر. يحتاج إلى الانتقال من عقلية الاستدانة إلى عقلية الإنتاج، ومن سياسة الاستجداء إلى سياسة الاكتفاء، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الحلّ.

قروض البنك الدولي ليست شرًّا مطلقًا، وليست خلاصًا سحريًّا. هي أداة. إمّا تُستخدم ضمن مشروع وطنيّ سياديّ واضح، وإمّا يُستخدم البلد من خلالها في مشاريع الآخرين. المشكلة ليست في من يُقرضنا، بل في كيف نُدير أنفسنا، وفي مدى قدرتنا على تحويل الدعم إلى فرصة، لا إلى عبء جديد.

وعندما تستعيد الدولة هيبتها وشفافيّتها وصدقيّتها، لن تحتاج إلى من يُنقذها، بل ستُنقذ نفسها بنفسها، وتستعيد موقعها الطبيعيّ بين الدول.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي يكتب: روض البنك الدولي… بين إنقاذ الوطن ورهن السيادة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°