20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من كان يحكم لبنان فعلًا؟ ولماذا كان الجميع يهرول إلى دمشق؟

هل كنّا دولة مستقلّة فعلًا؟ أم كنّا ساحة تتنازعها العواصم، فيما السياسي اللبناني يتنقّل بينها باحثًا عن رضى الخارج أكثر من رضى شعبه؟

بقلم: د. ليون سيوفي
٨ مايو ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
52 مشاهدة
حافظ الأسد

حافظ الأسد

منذ عهد الرئيس السابق حافظ الأسد تحوّلت الطريق إلى سوريا إلى ممرٍّ إلزامي لكلّ سياسي لبناني يريد السلطة، أو يخاف خسارتها، أو يبحث عن حمايةٍ لبقائه.

رؤساء جمهورية، رؤساء حكومات، وزراء، نواب، زعماء أحزاب… الجميع كان يذهب إلى دمشق. بعضهم ذهب خاضعًا، وبعضهم ذهب مقتنعًا، وبعضهم ذهب مكرهًا، لكنّ النتيجة بقيت واحدة: القرار اللبناني لم يكن يُصنع كاملًا في لبنان. 

والسؤال الذي يوجع اللبنانيين حتى اليوم: إذا كانت العلاقة “أخوّة” كما كانوا يقولون، فلماذا كان المسؤول اللبناني يطرق باب دمشق دائمًا، بينما نادرًا ما رأينا الرئيس السوري يأتي إلى بيروت؟

الجواب واضح لمن يريد أن يرى الحقيقة كما هي، لا كما تُزيّنها الشعارات. لأنّ العلاقة لم تكن متكافئة أصلًا. كانت علاقة نفوذٍ من جهة، وارتهانٍ سياسي من جهة أخرى.

في تلك المرحلة، لم تكن دمشق مجرّد عاصمة مجاورة، بل كانت غرفة العمليات السياسية للبنان. هناك تُحسم التحالفات، وهناك تُولد الحكومات، وهناك يسقط السياسي أو يرتفع. كثيرون في لبنان لم يكونوا ينتظرون رأي الشعب، بل ينتظرون الإشارة القادمة من سوريا.

حتى أنّ بعض السياسيين اللبنانيين كانوا يعودون من دمشق وكأنّهم عادوا من “امتحان الولاء”، لا من زيارة دبلوماسية. ومن يرفض، أو يتمرّد، أو يحاول صناعة قرار مستقلّ، كان يدفع الثمن سياسيًا أو أمنيًا أو شعبيًا.

أمّا لماذا لم يكن الرئيس السوري بحاجة إلى زيارة لبنان كثيرًا؟ فلأنّ النفوذ الحقيقي لا يتحرّك كثيرًا. من يمسك بالخيوط لا يحتاج دائمًا إلى الحضور الجسدي. كان يكفي أن يتحرّك مسؤول أمني، أو تُرسل رسالة سياسية، أو يُستدعى زعيم لبناني إلى دمشق، حتى تهتزّ التوازنات في بيروت.

المؤلم أنّ جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية اللبنانية اعتاد هذا المشهد وتكيّف معه، حتى أصبحت السيادة عند البعض مجرّد خطاب يُقال أمام الكاميرات، بينما تُناقش الملفات الحقيقية خلف الحدود.

لكن لا يجوز أيضًا تزوير التاريخ بالكامل. فهناك من رأى في العلاقة مع سوريا ضرورةً لحماية لبنان من الحرب الأهلية والتقسيم والفوضى، وهناك من اعتبر الوجود السوري عامل استقرار في مرحلة معيّنة.

وفي المقابل، هناك من اعتبره وصاية كاملة على الدولة اللبنانية. وبين الرأيين، بقي المواطن اللبناني هو من يدفع الثمن دائمًا.

المشكلة لم تكن فقط في قوة سوريا، بل في ضعف لبنان. فالدولة التي تمتلك مؤسسات حقيقية لا يتحوّل مسؤولوها إلى زوّار دائمين لعواصم الخارج. لكن في لبنان، الطوائف كانت أقوى من الدولة، والزعامات أقوى من الدستور، ولذلك دخل الخارج من كل الأبواب.

اليوم، وبعد كلّ ما جرى، لا يزال اللبناني يسأل نفسه بمرارة:

هل كنّا دولة مستقلّة فعلًا؟ أم كنّا ساحة تتنازعها العواصم، فيما السياسي اللبناني يتنقّل بينها باحثًا عن رضى الخارج أكثر من رضى شعبه؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. ليون سيوفي

د. ليون سيوفي ، باحث وكاتب سياسي ومرشح سابق لرئاسة الجمهورية اللبنانية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير