تمثل عودة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومعها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي إلى العاصمة المؤقتة عدن في فبراير 2026، نقطة تحول جوهرية في مسار إدارة الأزمة السياسية والاقتصادية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط إقليمية ودولية مكثفة لتوحيد الجبهة الداخلية وتفعيل مؤسسات الدولة من الداخل لتقديم نموذج حكم قادر على مواجهة الانهيار المعيشي وتدهور العملة الوطنية.
إن وجود الحكومة في عدن ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو استحقاق سيادي يهدف إلى الإشراف المباشر على ملفات الأمن والخدمات، وتعزيز الثقة بين السلطة والمواطن في المحافظات المحررة. ومع ذلك، تواجه هذه العودة تحديات جسيمة، أبرزها ضرورة التنسيق الوثيق بين القوى المكونة للمجلس الرئاسي، وضمان تدفق الموارد المالية الضرورية لتشغيل المرافق العامة، مما يجعل استمرار البقاء في عدن اختباراً حقيقياً لمدى تماسك السلطة وقدرتها على الصمود أمام الضغوط الميدانية.
هل تنجح "دبلوماسية الأبواب المفتوحة" في بناء الثقة؟
بالتزامن مع التحركات في عدن، تحتضن العاصمة الأردنية عمان جولات جديدة من المفاوضات بين الحكومة والحوثيين برعاية أممية، تركز بشكل أساسي على ملف الأسرى والمختطفين وفق مبدأ "الكل مقابل الكل".
وتعد هذه الجولة من المفاوضات الأكثر حساسية في عام 2026، كونها تمس الجانب الإنساني الأكثر إيلاماً لآلاف العائلات اليمنية. وتسعى الأمم المتحدة من خلال هذا المسار إلى خلق "نقاط تماسك" إنسانية يمكن البناء عليها للانتقال إلى ملفات سياسية أكثر تعقيداً.
ويرى مراقبون أن نجاح صفقة تبادل كبرى للأسرى سيعطي دفعة قوية لمساعي السلام، بينما يمثل الفشل أو التعنت في هذا الملف انتكاسة قد تعيد التصعيد العسكري إلى الواجهة. إن التحدي الأكبر يكمن في إصرار الحوثيين على تسييس هذا الملف الإنساني واستخدامه كأداة لانتزاع مكاسب في ملفات أخرى، مثل فتح الوجهات الدولية لمطار صنعاء أو تخفيف الرقابة على الموانئ.
هل نحن أمام مسار تسوية أم إعادة ترتيب سلطة؟
عند تحليل التحركات الراهنة في اليمن لعام 2026، يبرز السؤال الجوهري حول ماهية هذه التحولات: هل نعيش إرهاصات "تسوية شاملة" تنهي الحرب، أم أننا بصدد عملية "إعادة ترتيب للسلطة" لتعزيز مواقع الأطراف الفاعلة؟ المعطيات الميدانية تشير إلى أن المجتمع الدولي يميل حالياً نحو خيار "تجميد الصراع" وإعادة هيكلة الشرعية لتكون أكثر فاعلية في إدارة المناطق الخاضعة لها، مع منح الحوثيين وضعاً راهناً في مناطقهم بانتظار تفاهمات إقليمية كبرى.
هذا المسار يبدو أقرب لعملية "إدارة أزمة" طويلة الأمد من كونه حلاً جذرياً. فالتسوية الشاملة تتطلب توافقاً على شكل الدولة، وسلاح الميليشيات، والعدالة الانتقالية، وهي ملفات لا تزال بعيدة المنال في ظل الهوة العميقة بين رؤية الحكومة لمخرجات الحوار الوطني وبين طموحات الحوثيين في حكم شمولي يستند إلى القوة العسكرية.
التخادم السياسي والضغوط الإقليمية
لا يمكن فصل عودة الحكومة إلى عدن أو مفاوضات الأردن عن التفاهمات الإقليمية الكبرى، وتحديداً التقارب (السعودي-الإيراني) الذي بات يلقي بظلاله على الملف اليمني في عام 2026.
الرياض تسعى جاهدة لإنهاء الانخراط العسكري المباشر وتركيز جهودها على تأمين حدودها وتطوير اقتصادها، وهو ما يدفعها للضغط على الأطراف اليمنية للقبول بحلول وسط.
وفي المقابل، تحاول طهران الحفاظ على أوراق ضغطها عبر الحوثيين لضمان حصة في مستقبل النفوذ الإقليمي هذا المشهد المعقد يجعل من "إعادة ترتيب السلطة" ضرورة مرحلية لإرضاء كافة الأطراف، حيث يتم توزيع الحصص السياسية والاقتصادية بما يضمن عدم انفجار الموقف عسكرياً، حتى لو ظل السلام الحقيقي مؤجلاً. إن اليمن اليوم يعيش حالة "اللاسلم واللاحرب"، حيث تصبح الترتيبات الإدارية والمفاوضات الجزئية هي البديل عن الحلول النهائية الشاملة.
آفاق المستقبل وتحديات الاستقرار
يظل الملف الاقتصادي هو "الرصاصة" التي قد تقتل أي مسار للتسوية أو تمنحه الحياة في عام 2026. فعندما عادت الحكومة إلى عدن، كان الرهان الأساسي هو قدرتها على توحيد البنك المركزي، وصرف رواتب الموظفين في كافة أنحاء البلاد، واستئناف تصدير النفط والغاز المعطل منذ سنوات.
إن نجاح الحكومة في هذا الملف سيجرد الحوثيين من أقوى أوراقهم الدعائية المتعلقة بـ "الحصار"، وسيعطي المواطن اليمني بصيص أمل في استعادة حياته الطبيعية.
وبدون حلول اقتصادية جذرية، ستظل عودة الحكومة مجرد محطة عابرة، وستظل مفاوضات الأردن للأسرى مجرد إجراء إنساني لا يغير من واقع البؤس العام. لذا، فإن مستقبل اليمن مرهون بمدى جدية المجتمع الدولي في تقديم دعم مالي مباشر وخلق آليات شفافة لتقاسم الموارد السيادية بين مختلف الأطراف تحت إشراف وطني ودولي موحد.
اليمن بين الأمل الحذر وخطر العودة إلى المربع الأول
يقف اليمن أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول عودة الحكومة إلى عدن ونجاح مفاوضات الأردن إلى "كتلة حرجة" تدفع نحو تسوية سياسية مستدامة، أو أن تظل هذه التحركات مجرد مسكنات لواقع متفجر ينتظر لحظة الصدام القادمة.
إن "إعادة ترتيب السلطة" قد تمنح هدوءاً مؤقتاً، لكنها لن تصنع سلاماً حقيقياً ما لم تعالج جذور الصراع المتمثلة في غياب الدولة الوطنية والتدخلات الخارجية الفجة.
اليمني اليوم يراقب بعين الحذر طاولات المفاوضات في عمان وحركة الطائرات في عدن، متمنياً أن تكون هذه المرة بداية النهاية لمعاناته الطويلة، وليست مجرد فصل جديد من فصول إدارة النزاع الممتد لأكثر من عقد من الزمان.










