في خطوة تعكس جدية المساعي اللبنانية لترميم الثقة الدولية بالمنظومة المالية، عقد حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، في العاصمة الفرنسية باريس سلسلة من الاجتماعات الرفيعة والمكثفة مع قضاة التحقيق الفرنسيين.
وتأتي هذه اللقاءات في إطار الإشراف المباشر على التحقيقات القضائية المفتوحة في ملفات مالية شائكة ارتبطت بنشاط المصرف المركزي خلال السنوات الماضية.
وتهدف هذه التحركات إلى تسليط الضوء على فترات غامضة من الإدارة المالية، حيث يسعى الحاكم الحالي إلى تقديم كافة التسهيلات التي تضمن كشف الحقائق وتحديد المسؤوليات، بما يخدم مصلحة الدولة اللبنانية والمودعين الذين دفعوا ثمن الانهيار الاقتصادي المتواصل منذ سنوات.
شبهات الاختلاس والترتيبات المالية المعقدة تحت المجهر
أشار مصرف لبنان في بيان رسمي صادر عنه إلى أن التحقيقات الجارية في فرنسا تتناول بدقة متناهية جملة من الشبهات الخطيرة، تتصدرها أعمال اختلاس واسعة النطاق وتقاضي عمولات غير مشروعة عبر قنوات مالية ملتوية.
وتتطرق التحقيقات أيضاً إلى ترتيبات مالية وصفت بـ "المعقدة"، شملت التصرف غير القانوني ببعض الأصول المالية التابعة لمصرف لبنان وتحويلها إلى حسابات خاصة أو استثمارات خارجية بطرق تفتقر إلى الشفافية.
هذه الممارسات، التي خضعت للتدقيق الجنائي، تسببت في استنزاف قدرات المصرف المركزي، مما جعل من الضروري ملاحقة الخيوط الدولية لهذه العمليات بمساعدة القضاء الفرنسي المتخصص في الجرائم المالية العابرة للحدود.
تحالف قضائي دولي لاستعادة الأصول المنهوبة
لا تقف حدود هذه التحقيقات عند العاصمة الفرنسية فحسب، بل تندرج ضمن مجهود دولي منسق وشامل يضم قضاة ومدعين عامين من فرنسا، وليختنشتاين، وبلجيكا، وألمانيا، وسويسرا.
ويمثل هذا التعاون القضائي الخماسي حجر الزاوية في استراتيجية مصرف لبنان الجديدة الرامية إلى استعادة التوازن المالي المفقود.
ويرى المصرف المركزي أن استرداد الأصول المهربة وترسيخ مبدأ المساءلة القانونية ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل هما عنصران جوهريان لتعزيز قدرة المصرف على الوفاء بالتزاماته المالية تجاه المواطنين، ولا سيما المساهمة الفعالة في تنفيذ برنامج سداد الودائع المرتقب الذي ينتظره مئات الآلاف من اللبنانيين لاستعادة مدخراتهم.
إرث رياض سلامة والملاحقات القضائية في بيروت
بالتوازي مع الحراك الدولي، شهد السلك القضائي اللبناني تطورات دراماتيكية في يناير الماضي، حيث أصدرت الهيئة الاتهامية في بيروت مذكرة اتهام رسمية بحق الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، ومحاميين آخرين هما مروان جو عيسى الخوري وميشال جون تويني.
ووجهت الهيئة، برئاسة القاضي كمال نصار، تهمًا ثقيلة تشمل اختلاس المال العام، والتزوير، والإثراء غير المشروع وتتركز هذه الاتهامات حول "حساب الاستشارات" في المصرف المركزي، حيث يُشتبه في اختلاس مبلغ يصل إلى 44 مليوناً و800 ألف دولار أمريكي، مما يعكس حجم التجاوزات التي حدثت تحت غطاء الإدارة السابقة للمصرف.
وضع سلامة القانوني وتداعيات الكفالة القياسية
رغم إطلاق سراح رياض سلامة في سبتمبر الماضي بعد احتجاز دام 13 شهراً، إلا أن خروجه جاء مقابل كفالة مالية قياسية تجاوزت 14 مليون دولار، وهو مبلغ يعكس جسامة التهم الموجهة إليه ولا يزال سلامة يخضع لقرار حظر السفر، مما يجعله تحت الرقابة القضائية اللبنانية المباشرة بانتظار استكمال المحاكمات.
ويرى مراقبون أن الضغوط الدولية المتزايدة، خاصة من الجانب الفرنسي، قد تسرع من وتيرة المحاكمات المحلية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والداخلية في ضرورة إغلاق ملف "حساب الاستشارات" واسترجاع المبالغ التي تم التلاعب بها لضمان سير خطة التعافي المالي المقترحة من قبل الحكومة اللبنانية.
إن التوجه الحالي لمصرف لبنان، بقيادة كريم سعيد، يرتكز على مبدأ الوضوح التام مع الجهات الرقابية الدولية. فبدون محاسبة عادلة وشفافة للمتورطين في تبديد أصول المصرف، لن يكون بمقدور لبنان العودة إلى النظام المالي العالمي أو جذب الاستثمارات مرة أخرى.
إن هذه الاجتماعات في باريس تمثل رسالة قوية للمجتمع الدولي وللداخل اللبناني بأن عهد "الإفلات من العقاب" قد شارف على الانتهاء، وأن الطريق نحو سداد حقوق المودعين يمر حتماً عبر أروقة المحاكم واسترجاع كل دولار تم الحصول عليه بطريقة غير مشروعة من خزائن الدولة اللبنانية.










