تضع التغيرات المناحية متمثلة في الفيضانات الأخيرة التي ضربت أجزاء واسعة من المغرب، وما تلاها من عمليات إجلاء قسرية للسكان في مناطق جبلية ونائية، الدول العربية أمام اختبار مصيري يتعلق بمدى جاهزيتها لمواجهة الكوارث المناخية المتطرفة التي لم تعد استثناءً بل أصبحت واقعاً متكررا.
وبحسب تقارير صادرة عن الأرصاد العالمية، فإن منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط باتت "نقطة ساخنة" للتغير المناخي، حيث تتزايد وتيرة العواصف المباغتة التي تفوق قدرة البنية التحتية المتهالكة في العديد من الدول على الاستيعاب، مما يحول هطول الأمطار من نعمة مرجوة إلى نقمة تزهق الأرواح وتدمر الممتلكات بلمح البصر.
ويرى خبراء في شؤون البيئة أن ما حدث في المغرب يمثل جرس إنذار لكافة الحكومات العربية، إذ كشفت السيول الجارفة عن فجوات هائلة في أنظمة الإنذار المبكر وفي قدرة السلطات المحلية على الاستجابة السريعة للأزمات قبل وقوع الكارثة.
ووفقا لتحليل نشرته صحيفة "لوموند" حول الفيضانات الإقليمية، فإن غياب التخطيط العمراني المستدام والاعتماد على حلول ترقيعية لمواجهة تقلبات الطقس، يجعل المدن العربية عرضة لشلل تام بمجرد هطول كميات من الأمطار تفوق المعدلات الطبيعية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مصير الاستثمارات الضخمة في قطاعات الإنشاءات إذا لم تكن محمية من غضب الطبيعة.
هشاشة البنى التحتية العربية
كشفت الكوارث المتلاحقة، بدءاً من إعصار "دانيال" في ليبيا وصولاً إلى فيضانات المغرب في سبتمبر وأكتوبر من الأعوام الماضية، أن أغلب الدول العربية لا تزال تعيش بعقلية "رد الفعل" بدلاً من "الاستباق"، حيث تفتقر البنى التحتية إلى المصارف المائية العملاقة والسدود القادرة على احتواء التدفقات الفجائية. وبحسب تقرير تقني صادر عن البنك الدولي، فإن خسائر الدول العربية الناجمة عن الكوارث الطبيعية قد تتضاعف بحلول عام 2030 إذا لم يتم ضخ استثمارات عاجلة في تحديث شبكات الصرف الصحي وتأمين المناطق المنحدرة، خاصة في ظل التوسع العمراني العشوائي الذي يبتلع المسارات الطبيعية للمياه ويحولها إلى مصائد للمواطنين.
وفي سياق متصل، تشير دراسات مناخية إلى أن الاعتماد على المعونات الدولية في لحظات الكارثة لا يمكن أن يمثل استراتيجية أمن قومي، إذ أن التباطؤ في بناء أنظمة دفاعية مناخية يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الوطنية لدى العديد من الأنظمة.
ووفقاً لما ذكرته تقارير بيئية متقاطعة، فإن الحكومات العربية مطالبة اليوم بتبني نماذج محاكاة متطورة للتنبؤ بالفيضانات، وتدريب فرق الدفاع المدني على سيناريوهات "يوم القيامة المناخي"، لضمان عدم تكرار مشاهد التهجير الجماعي والبحث عن مفقودين تحت أنقاض المنازل الطينية أو في مجاري السيول التي فاضت عن حدودها.
المناخ وصراع القوى الكبرى
لا يمكن فصل العجز العربي عن الاستعداد للكوارث المناخية عن السياق السياسي الدولي، حيث يرى مراقبون أن الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا، تحت قيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب، لا تزال تضع المصالح الاقتصادية والنفطية فوق الالتزامات البيئية العالمية، مما يعمق أزمة الدول النامية التي تدفع ثمن الانبعاثات الكربونية للدول الصناعية. وبحسب تقرير لمنظمة "غرينبيس"، فإن السياسات التي ينتهجها ترامب منذ عودته للسلطة في 2024، والتي تميل إلى الانسحاب من الالتزامات المناخية الصارمة، تضعف الجهود الدولية لتمويل صناديق "الخسائر والأضرار" التي تحتاجها الدول العربية بشكل عاجل لترميم دفاعاتها ضد الفيضانات والجفاف.
هذا التخاذل الدولي يضع الحكومات العربية في مواجهة مباشرة مع شعوبها، حيث لم يعد ممكناً إلقاء اللوم على "القضاء والقدر" وحده في ظل وجود تقنيات حديثة يمكنها تقليل الخسائر البشرية إلى حدها الأدنى. ووفقاً لمقالات تحليلية في صحف عربية، فإن الاستثمار في "الأمن المناخي" يجب أن يحظى بذات الأهمية التي يحظى بها الأمن العسكري، خاصة وأن الكوارث الطبيعية باتت تمتلك القدرة على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر خلق موجات من النزوح الداخلي والضغط على الموارد المحدودة، مما يفرض على المنطقة العربية البحث عن تحالفات إقليمية لمواجهة هذا الخطر المشترك بعيداً عن الوعود الدولية التي غالباً ما تتبخر عند وقوع أول قطرة مطر.








