أعلنت وزارة الدفاع السورية، الأحد، استلام قاعدة "الشدادي" العسكرية بريف الحسكة شمال شرقي سوريا، بعد تنسيق مباشر مع الجانب الأميركي، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الرسمية "سانا".
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة تحركات استراتيجية للجيش السوري لتثبيت سيطرته على الأراضي بعد الانسحاب الأميركي من قواعد عدة، أبرزها قاعدة "التنف" جنوبي البلاد، والتي تم إخلاؤها مؤخراً بعد اتفاق أمني لتكامل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي يقودها الأكراد ضمن مؤسسات الدولة السورية.
إعادة انتشار الجيش السوري
أكدت وزارة الدفاع، نقلاً عن إدارة الإعلام والاتصال، أن القوات السورية تسلّمت قاعدة "الشدادي" بعد تنسيق أمني مع الولايات المتحدة، في خطوة تهدف إلى توسيع سيطرة الدولة على مناطق شمال شرق سوريا، التي شهدت تواجد القوات الأميركية على مدى سنوات في إطار محاربة تنظيم "داعش" والحفاظ على النفوذ الأميركي.
ويأتي استلام القاعدة بالتزامن مع إجلاء نحو 7 آلاف سجين من تنظيم "داعش" من سجون الإدارة الذاتية الكردية باتجاه العراق، بعد تفاهم أمني بين واشنطن وبغداد.
انسحاب أميركي مدروس: من التنف إلى الشدادي
أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" إكمال الانسحاب المنظّم للقوات الأميركية من قاعدة "التنف" في سوريا، ضمن عملية "العزم الصلب"، والتي وصفت بأنها انتقال مدروس ومشروط، يضمن استمرار القدرة على الرد على أي تهديدات محتملة لتنظيم "داعش".
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر إن القوات الأميركية لا تزال على أهبة الاستعداد لمواجهة أي نشاط عدائي للتنظيم، مؤكداً أن الحفاظ على الضغط عليه يعد جزءاً أساسياً من تعزيز الأمن الإقليمي، في إشارة إلى استمرار الدور الأميركي الأمني والاستخباراتي حتى بعد الانسحاب الميداني.
السيطرة على الموارد والمواقع الحيوية
تتزامن هذه التحولات مع سابقة أخلت فيها الولايات المتحدة أكبر قاعدتين لها في سوريا الصيف الماضي، هما حقل العمر شرق دير الزور ومعمل غاز كونيكو شمالها.
ويعكس الانسحاب الأميركي انتقالاً مدروساً يتيح للجيش السوري تعزيز وجوده في مناطق كانت تخضع لسيطرة جزئية للقوات الكردية المدعومة أميركياً، وبالتالي إعادة ترتيب النفوذ على الأراضي الغنية بالموارد النفطية والغازية، إضافة إلى المواقع الاستراتيجية المربوطة بشبكات النقل والطرق الدولية.
كما يظهر أن دمشق استغلت الفراغ الجزئي الذي خلفه الانسحاب الأميركي لتعزيز تواجد الدولة في المناطق الحدودية، ما قد يغير موازين القوى على الأرض، ويعيد رسم الخريطة العسكرية والإدارية للمحافظات الشمالية والشرقية.
قسد بين الدمج والسيطرة السورية
يأتي استلام القواعد بعد اتفاق أمني لتكامل قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة، في خطوة تمهد لإعادة الدمج الجزئي أو الكامل لهذه القوى ضمن الجيش السوري والأجهزة الأمنية، مع إبقاء مراقبة أميركية على مستوى المعلومات الاستخباراتية ومواجهة "داعش".
هذا الدمج يمثل اختراقاً مهماً لمفهوم الإدارة الذاتية الكردية، ويضعها أمام خيار التكيف مع النفوذ السوري الرسمي أو مواجهة تراجع تدريجي للسيطرة على مناطق نفوذها، خصوصاً في الحسكة ودير الزور.
مستقبل النفوذ
تدل تحركات الجيش السوري على أن الدولة تستعيد السيطرة على القواعد العسكرية الحيوية بطريقة تدريجية ومدروسة، بالتوازي مع انسحاب القوات الأميركية. الاستراتيجية تبدو مزدوجة:
تثبيت النفوذ السوري: من خلال السيطرة على قواعد حيوية ودمج قوات محلية تحت إطار الدولة.
ضمان الاستقرار الأمني الإقليمي: عبر تنسيق مع الولايات المتحدة لمنع انبعاث تهديدات "داعش" بشكل مفاجئ، مع الإبقاء على ضغط استخباراتي أميركي.
هذه التحولات تعكس ديناميكية معقدة، تجمع بين إعادة فرض سيطرة الدولة على الأراضي والمناطق الاستراتيجية، والحفاظ على توازن مع القوى الدولية لضمان عدم إعادة نشوء فراغ أمني يستغله التنظيمات المتطرفة.
التطورات الأخيرة في سوريا
يظهر من التطورات الأخيرة في سوريا أن مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي ليست مجرد تفريغ ميداني، بل انتقال مدروس يتيح لدمشق استعادة السيطرة على القواعد والمناطق الحيوية، وتطبيق استراتيجية دمج جزئي للقوى المحلية، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني الإقليمي عبر توافق غير معلن مع واشنطن.
في الوقت نفسه، تبقى مناطق شمال شرق سوريا محور ضغط سياسي واستراتيجي، حيث تتداخل الملفات العسكرية مع ملفات السيطرة على الموارد والطاقة والنفوذ المحلي، ما يجعل من استلام قاعدة "الشدادي" جزءاً من خطة أطول مدى لإعادة ترتيب القوة على الأرض.










