4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. صلاح أبو غالي يكتب: هل الولاء للنظام الحاكم مرادف للمواطنة.. وهل "اختلاف الرأي" بين الأحزاب جريمة؟!

"عجباً لأمَّة العرب، تختلف مع جهة ما حزبية أو 'النظام الحاكم'،('في الرأي)، فتشطب مكانك في السجل المدني، أو تفقد كافة حقوقك المدنية وتُسحب منك الجنسية...

بقلم: د. صلاح أبو غالي
١٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
11 مشاهدة
الولاء للنظام الحاكم

الولاء للنظام الحاكم

"عجباً لأمَّة العرب، تختلف مع جهة ما حزبية أو 'النظام الحاكم'،('في الرأي)، فتشطب مكانك في السجل المدني، أو تفقد كافة حقوقك المدنية وتُسحب منك الجنسية...
لم يفعلها الأوروبيين ولا الأمريكان ولا حتى بني صهيون..."
#عقوبات_بالجملة_في_الوطن_العربي

في الحقيقة، هذا الطرح يمس وتراً حساساً في فلسفة الحكم وحقوق الإنسان، وهو تفريق جوهري غالباً ما يغيب في الممارسة السياسية العربية المعاصرة، مما يستفز ملكة تفكيرنا إلى الغوص عميقاً في خلفية هذه الممارسات، وقراءة المشهد بشكل ينفض غبار الوَهم عن الحقيقة...

​نظرة تحليلية حول مجمل هذه النقاط:
​1. الولاء للنظام vs المواطنة:
​في العلوم السياسية الحديثة، المواطنة هي علاقة قانونية واجتماعية بين الفرد والدولة (الكيان الجغرافي والقانوني والدستوري)، وتتضمن حقوقاً وواجبات ثابتة لا تزول بتغير الأشخاص. أما الولاء للنظام الحاكم، فهو موقف سياسي من "الإدارة" المؤقتة للدولة.
🔴 ​المواطنة: انتماء للأرض والشعب والدستور.
🔴 ​الولاء: تأييد لسياسات أو شخوص.

🟩 ​الإشكالية: عندما يتم دمج "الدولة" في "شخص الحاكم"، يصبح أي نقد للسياسات يُفسر كأنه خيانة للوطن، وهذا خلط منطقي وقانوني خطير.

​2. هل "اختلاف الرأي" بين الأحزاب جريمة؟:
​"الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وفي السياسة، الاختلاف هو المحرك الذي يمنع الركود."

قطعاً الإجابة "لا"، الاختلاف في الرأي بين الأحزاب ليس جريمة، بل هو جوهر الممارسة الديمقراطية والأساس الذي تقوم عليه التعددية السياسية. في الواقع، إذا اتفقت جميع الأحزاب على كل شيء، فسنكون أمام نظام الحزب الواحد الذي يفتقر للتجديد والنقد.

التعددية الحزبية وكيفية التعامل مع الاختلاف:
​1. الاختلاف كأداة للتطوير:
​الأحزاب السياسية تمثل فئات مختلفة من المجتمع (عمال، أصحاب أعمال، محافظين، ليبراليين، إلخ). وجود آراء متباينة يضمن:
🔴 ​الرقابة: المعارضة تراقب أداء الحكومة وتكشف الأخطاء.
🔴 ​تنوع الحلول: طرح بدائل مختلفة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
🔴 ​التمثيل: أن يجد كل مواطن "صوتاً" يعبر عن قناعاته داخل البرلمان.

​2. متى يصبح "النشاط الحزبي" مخالفاً للقانون؟
​الاختلاف في الرأي مشروع تماماً ما دام تحت سقف القانون والدستور. 
وقد تصبح الممارسة "جريمة" فقط في حالات محددة مثل:
🔴 ​التحريض على العنف: إذا تحول الاختلاف من حوار سياسي إلى دعوات للاقتتال أو التخريب.
​الخيانة العظمى: التآمر مع جهات خارجية للإضرار بمصالح الدولة العليا.
🔴 ​العنصرية: التحريض على كراهية فئة معينة من المجتمع بناءً على الدين أو العرق.

​3. الواقع المرير (سحب الجنسية):
​نقطة "سحب الجنسية" أو "الإسقاط المدني" هي من أقسى العقوبات التي تُستخدم أحياناً كأداة سياسية.

 ​عالمياً: يُنظر للجنسية كحق أصيل لا يجوز انتزاعه إلا في حالات نادرة جداً تتعلق بالإرهاب الجسيم أو الخيانة العظمى المثبتة قضائياً، وليس لمجرد مقال أو موقف حزبي.
 ​الواقع المرير: كما أشرت، استخدام هذه الأدوات ضد المعارضين السياسيين يخلق حالة من "الاغتراب" داخل الوطن، ويجعل المواطن يشعر بأنه "مستأجر" وليس شريكاً.

 ​الخاتمــــة:
عندما نبحث بعمق في قضية "اختلاف الرأي"، نجد أنه ​من الناحية الدستورية في معظم دول العالم (بما فيها الدساتير العربية ورقياً)، التعددية الحزبية واختلاف الرأي هما صمام أمان. 

وأن الأحزاب ما وجدت لكي تتطابق، بل لتتنافس في تقديم حلول أفضل للمجتمع.
ف​تحويل الاختلاف إلى "جريمة" يعني شل حركة العقل الجمعي ومنع التطور.

​الدول القوية هي التي تستوعب المعارضة داخل أطر قانونية، لأن البديل عن "صندوق الاقتراع" و"حرية التعبير" غالباً ما يكون الاحتقان السِّرِّي الذي يهدد استقرار الدولة الحقيقي.

وعليه، ف​ما تقدم، هو توصيف مختصر لحالة "شخصنة الدولة"، حيث تصبح الحقوق المدنية مكافأة على الطاعة، وليست استحقاقاً بموجب الميلاد والانتماء. 
وإصلاح هذا الخلل يبدأ من الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع، وأن نقد الحكومة هو في جوهره أعلى درجات الحرص على الوطن، وليس العكس.

​"لا يستقيم حال وطن يُطالب فيه المواطن بالواجبات كشريك، ويُعامل عند الحقوق كغريب."

د. صلاح أبو غالي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال