عاد ملف الأسرى والمختطفين في اليمن ليتصدر المشهد السياسي والإعلامي في مطلع عام 2026، وسط أجواء من التفاؤل الحذر الذي يخيم على جولات التفاوض الجديدة التي ترعاها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
إن الزخم الحالي الذي يشهده هذا الملف لا ينبع فقط من الحاجة الإنسانية الملحة لإنهاء معاناة آلاف العائلات التي تنتظر ذويها منذ سنوات، بل يأتي كضرورة سياسية فرضتها طبيعة المرحلة الراهنة من الصراع.
يرى مراقبون أن مفاوضات الأسرى باتت تمثل "الاختبار الحقيقي" لمدى جدية الأطراف المتصارعة في الانتقال من مربع المواجهة المسلحة إلى مربع الحلول السلمية، حيث يُنظر إلى النجاح في إتمام صفقات تبادل واسعة النطاق كخطوة جوهرية لإثبات حسن النوايا وبناء جسور الثقة المفقودة.
إن تحول ملف الأسرى إلى أولوية قصوى يعكس إدراكاً دولياً ومحلياً بأن تجاوز العقد الإنسانية هو الممر الإلزامي الوحيد الذي يمكن من خلاله العبور نحو تسوية سياسية شاملة تنهي عقداً من الحرب والدمار.
الملف الإنساني كمدخل للتسوية: فرص وتحديات
يطرح التساؤل الجوهري نفسه بقوة: هل يمكن للملف الإنساني، وتحديداً قضية الأسرى، أن يكون المدخل الفعلي للتسوية السياسية الكبرى؟ تاريخ النزاعات الدولية يثبت أن البدء بالقضايا الإنسانية "غير الصفرية" غالباً ما يقلل من حدة الاستقطاب ويخلق أرضية مشتركة للحوار.
في الحالة اليمنية، يمثل ملف الأسرى النقطة الأكثر ملامسة لضمير المجتمع، والنجاح فيه يمنح الأطراف التفاوضية "شرعية أخلاقية" أمام قواعدها الشعبية للاستمرار في مسار السلام ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة، حيث تصطدم الرغبة في التبادل بعقبة "التصنيفات" والأسماء الوازنة التي تُستخدم كأوراق ضغط استراتيجية في المفاوضات العسكرية.
إن محاولات تسييس هذا الملف وتحويله إلى أداة لانتزاع تنازلات ميدانية يعيق وتيرة الإنجاز، مما يجعل من الضرورة بمكان تحييد الجانب الإنساني عن الحسابات العسكرية الضيقة لضمان تدفق قطار التسوية دون توقف أو تراجع قد يحبط آمال ملايين اليمنيين.
عقدة "الكل مقابل الكل" وحسابات الربح والخسارة
تظل قاعدة "الكل مقابل الكل" هي الهدف الأسمى الذي تسعى إليه المنظمات الدولية والوسطاء الإقليميون، إلا أن تطبيقها على أرض الواقع يواجه تعقيدات لوجستية وقانونية جمة.
تكمن الصعوبة في تباين الكشوفات المقدمة من الأطراف، وظهور قضايا "المفقودين" الذين لا يُعرف مصيرهم، بالإضافة إلى ملف المختطفين المدنيين الذين تم الزج بهم في السجون لأسباب فكرية أو سياسية دون أن يكونوا جزءاً من العمليات القتالية.
إن إصرار بعض الأطراف على مبدأ "التبادل النوعي" أو المقايضة بين القيادات العسكرية الرفيعة وبين أعداد كبيرة من المقاتلين العاديين يعكس حجم التوجس وعدم الثقة.
ورغم ذلك، فإن الصفقات الجزئية التي تمت في الفترات الماضية أثبتت أن كسر الجمود ممكن، وأن كل أسير يعود إلى منزله يمثل لبنة جديدة في بناء جدار السلام، مما يدفع الوسطاء للتركيز على "سياسة الخطوات الصغيرة" التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تصفير السجون وإغلاق هذا الملف المؤلم بصفة نهائية.
الدور الدولي والضغط الشعبي في تحريك المياه الراكدة
لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي تلعبه القوى الدولية والإقليمية في الضغط من أجل حسم ملف الأسرى، حيث بات هذا الملف بنداً ثابتاً في كافة المبادرات السياسية المطروحة لليمن.
إن التحرك الأممي الأخير يعتمد على استراتيجية ربط الملفات، حيث يتم ربط التقدم في المسار الإنساني (الأسرى، فتح الطرقات، المطارات) بالتقدم في المسار الاقتصادي والسياسي.
هذا الضغط الدولي يتوازى مع حراك شعبي يمني واسع تقوده "رابطة أمهات المختطفين" ومنظمات المجتمع المدني، التي نجحت في تحويل قضية الأسرى من شأن خاص بالعائلات إلى قضية رأي عام تضغط على صناع القرار في كافة الجبهات.
إن هذا التلاحم بين الإرادة الدولية والمطالب الشعبية يخلق حالة من الحرج السياسي للأطراف التي قد تحاول المماطلة، مما يجعل من عام 2026 عاماً حاسماً قد يشهد أكبر عملية تبادل في تاريخ النزاع اليمني، مما سيفتح الباب على مصراعيه لمناقشة قضايا الحكم والسيادة والسلاح في مراحل لاحقة.
مستقبل اليمن بين الانفراجة الإنسانية والجمود السياسي
يظل ملف الأسرى في اليمن هو "الترمومتر" الذي يقيس مدى جدية الأطراف في إنهاء الحرب؛ فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق اختراق ملموس وشامل، فإن ذلك سيكون إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من التعافي الوطني والاستقرار.
أما إذا استمر الارتهان للحسابات العسكرية وتحويل معاناة البشر إلى أوراق للمساومة، فإن ذلك سيعني استمرار دوامة العنف وتعميق الجراح التي قد لا تندمل لعقود قادمة.
إن اليمنيين اليوم ينظرون إلى طائرات الصليب الأحمر وهي تنقل الأسرى كـ "حمام سلام" يبشر بقرب نهاية الكابوس، ويأملون أن يكون الملف الإنساني بالفعل هو القاطرة التي تسحب خلفها عربات التسوية السياسية المتعثرة وإن بناء دولة المستقبل يبدأ من احترام كرامة الإنسان وحريته، وإغلاق السجون السرية والعلنية، لتكون هذه الخطوة هي الحجر الأساس في بناء يمن جديد يتسع لجميع أبنائه بعيداً عن منطق الانتقام والاحتجاز القسري.










