يشدد الرئيس التايواني لاي تشينج تي على أن تايوان تدخل مرحلة أكثر حساسية في ظل تصاعد التوتر مع الصين، خصوصاً مع استمرار الدعم العسكري الأميركي للجزيرة وما يثيره ذلك من ردود فعل حادة من بكين.
وفي رسالة بمناسبة رأس السنة القمرية، أكد الرئيس أن تايوان ستضاعف جهودها الدفاعية خلال العام المقبل لضمان أمن الجزيرة واستقرارها، في مؤشر واضح على أن الملف العسكري بات في صدارة المشهد السياسي والأمني.
تايوان بين الردع والدفاع الذاتي
في خطابه المصوّر الذي سُجّل داخل إحدى أهم محطات الرادار العسكرية في سلسلة الجبال الوسطى، وجّه الرئيس التايواني رسالة شكر إلى القوات المسلحة على ما وصفه بحماية تايوان على مدار الساعة، وأكد أن بلاده ستواصل تعزيز قدراتها في مجالات الدفاع الوطني والأمن العام وحماية الأمن القومي، بما يضمن بقاء الاستقرار الاجتماعي في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.
اختيار موقع عسكري حساس لتسجيل الرسالة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سياسية وعسكرية موجهة إلى الداخل والخارج معاً، مفادها أن تايوان ترى نفسها في حالة تأهب دائم، وأنها مستعدة لرفع مستوى الجاهزية تحسباً لأي سيناريو.
تسليح أميركي يفاقم التوتر مع الصين
تأتي هذه التصريحات في سياق تصاعد التوتر بين تايوان والصين بسبب استمرار تزويد الجزيرة بأسلحة متطورة من الولايات المتحدة، وهو ما تعتبره بكين انتهاكاً لسيادتها وتهديداً مباشراً لوحدة أراضيها، فالصين تنظر إلى تايوان باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، بينما تعتمد الجزيرة على الدعم الأميركي لردع أي محاولة لفرض السيطرة عليها بالقوة.
وفي هذا الإطار، اقترح الرئيس التايواني العام الماضي زيادة الإنفاق الدفاعي بنحو 40 مليار دولار، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرة العسكرية في مواجهة الضغوط الصينية. غير أن المعارضة التي تملك الأغلبية في البرلمان رفضت المقترح بصيغته الكاملة، وطرحت بديلاً أقل تكلفة يركز أساساً على شراء أسلحة أميركية محددة.
صناعة عسكرية محلية لتعزيز الاستقلال الدفاعي
الفيديو الذي نشره الرئيس تضمن لقطات لأول غواصة تصنعها تايوان محلياً، والتي تخضع حالياً لاختبارات تحت الماء. ويُنظر إلى هذا المشروع على أنه جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد الكامل على الخارج، وبناء قاعدة صناعية عسكرية قادرة على دعم الأمن القومي على المدى الطويل.
هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادة التايوانية بأن الصراع المحتمل قد لا يكون تقليدياً فقط، بل قد يمتد إلى مجالات بحرية وجوية وتقنية، ما يتطلب تطوير منظومات دفاعية متعددة الطبقات.
رسالة ردع في توقيت حساس
تأكيد الرئيس على استمرار تعزيز الدفاعات جاء في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تتزايد المناورات العسكرية الصينية حول الجزيرة، ويحتدم التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لذلك تبدو رسالة رأس السنة القمرية وكأنها إعلان سياسي بأن تايوان لن تتراجع عن مسار تعزيز قوتها الدفاعية رغم الضغوط.
وفي ظل هذا المشهد، تتحول تايوان إلى نقطة اشتباك جيوسياسي كبرى بين القوى العالمية، حيث يتقاطع الأمن الإقليمي مع التنافس الدولي على النفوذ، ما يجعل أي خطوة عسكرية أو سياسية ذات أبعاد تتجاوز حدود الجزيرة نفسها.
تايوان في قلب صراع استراتيجي طويل الأمد
المؤشرات الحالية توحي بأن التوتر بين تايوان والصين مرشح للاستمرار، خاصة مع إصرار الجزيرة على تعزيز دفاعاتها ورفض بكين لأي خطوات تعتبرها تمهيداً للاستقلال. وبينما تراهن تايبيه على الردع والدعم الدولي، تراهن الصين على الضغط المتدرج سياسياً وعسكرياً.
وفي النهاية، تبدو تايوان أمام معادلة معقدة: الحفاظ على أمنها وسيادتها من جهة، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع قوة إقليمية كبرى من جهة أخرى، وهو ما يجعل ملف التسليح والدفاع أحد أخطر ملفات المنطقة وأكثرها حساسية في السنوات المقبلة.










