20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

حين تعود برلين إلى بيروت: هل يصبح لبنان بوابة استقرار أم ساحة احتواء؟

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتجاوز زيارة الرئيس الألماني شتاينماير إلى لبنان حدود البروتوكول الدبلوماسي، لتفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بموقع لبنان في معادلة الشرق الأوسط

بقلم: سماح عثمان
١٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
21 مشاهدة
هل يصبح لبنان بوابة استقرار أم ساحة احتواء؟

هل يصبح لبنان بوابة استقرار أم ساحة احتواء؟

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتجاوز زيارة الرئيس الألماني شتاينماير إلى لبنان حدود البروتوكول الدبلوماسي، لتفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بموقع لبنان في معادلة الشرق الأوسط، وبالدور الذي تسعى أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تكريسه في بلد يرزح تحت أزمات مالية وسياسية غير مسبوقة. فالزيارة لا يمكن فصلها عن السياق الاقتصادي الخانق الذي يعيشه لبنان منذ انهيار نظامه المصرفي في أكتوبر 2019، ولا عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة منذ أكتوبر 2023 في ظل الحرب على غزة وتداعياتها الإقليمية.

وبينما تبدو برلين حريصة على تأكيد دعمها لاستقرار لبنان ومؤسساته، يطرح المراقبون سؤالًا أكثر حساسية: هل تسعى ألمانيا إلى تمكين لبنان اقتصاديًا ليكون بوابة استقرار في شرق المتوسط، أم أن التحرك الأوروبي يندرج ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء تداعيات الانهيار ومنع انتقال الفوضى نحو أوروبا؟

لبنان.. رهانات اقتصادية

الشق الاقتصادي للزيارة يكتسب أهمية خاصة في ظل الانهيار غير المسبوق الذي أصاب الاقتصاد اللبناني. فبحسب تقارير البنك الدولي، يُصنَّف الانهيار اللبناني من بين أسوأ الأزمات المالية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها، وتآكلت القدرة الشرائية، وانهارت المنظومة المصرفية بشكل شبه كامل.

في هذا السياق، تُعد ألمانيا من أبرز الداعمين الأوروبيين للبنان، سواء عبر مساهماتها في برامج الاتحاد الأوروبي أو من خلال دعمها المباشر لمشاريع البنية التحتية والطاقة والتعليم. ووفقًا لتقارير المفوضية الأوروبية، تركز برلين على دعم الاستقرار المالي، وتعزيز الحوكمة، ومكافحة الفساد، وهي شروط تعتبرها مدخلًا لأي تعافٍ اقتصادي مستدام. غير أن هذا الدعم يبقى مشروطًا بإصلاحات بنيوية طال انتظارها، وفي مقدمتها إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإقرار قوانين استقلالية القضاء.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم الدعم، بل بطبيعته: هل هو استثمار طويل الأمد في استقرار لبنان، أم تدخل تقني يهدف فقط إلى منع الانهيار الكامل الذي قد يطلق موجات هجرة جديدة نحو أوروبا؟

هاجس الهجرة

أحد أبرز الدوافع غير المعلنة للتحرك الألماني يتمثل في ملف الهجرة. فقد شهدت أوروبا خلال السنوات الماضية موجات لجوء كبيرة من سوريا وبلدان أخرى، وكان للبنان دور محوري بوصفه بلد استضافة لملايين اللاجئين. وأي اهتزاز إضافي في بنيته الاقتصادية قد يدفع إلى موجة نزوح جديدة تتجه غربًا.

وفقًا لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يستضيف لبنان واحدة من أعلى نسب اللاجئين قياسًا بعدد السكان في العالم، وهو ما يضاعف الضغوط على بنيته التحتية وخدماته العامة. ومن هذا المنظور، يبدو الدعم الألماني جزءًا من استراتيجية وقائية تهدف إلى إبقاء اللاجئين في دول الجوار بدل انتقالهم إلى أوروبا.

إلا أن مقاربة لبنان باعتباره “حاجزًا جغرافيًا” أو “منطقة عازلة بشرية” تثير إشكاليات أخلاقية وسياسية، إذ تحوّل الأزمة اللبنانية إلى ملف أمني أوروبي، بدل التعامل معها بوصفها أزمة سيادة وتنمية تحتاج إلى شراكة عادلة.

استقرار أم احتواء؟

زيارة الرئيس الألماني تحمل رسائل سياسية بقدر ما تحمل مضامين اقتصادية. فهي تؤكد اهتمام برلين بالحفاظ على مؤسسات الدولة اللبنانية، لا سيما الجيش والقوى الأمنية، بوصفها عناصر توازن في بيئة إقليمية مضطربة. لكن هذا الدعم غالبًا ما يُقرأ في بيروت على أنه جزء من سياسة “إدارة الأزمة” لا حلّها.

من جهة أخرى، لا يمكن فصل التحرك الأوروبي عن التنافس الدولي في شرق المتوسط، سواء في ملف الطاقة أو في إعادة رسم موازين النفوذ. فلبنان، رغم أزمته، يملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا واحتياطات غاز محتملة، ما يجعله ساحة تقاطع مصالح إقليمية ودولية.

وهنا يتبلور السؤال المركزي: هل يُراد للبنان أن يتعافى اقتصاديًا ليصبح نقطة ارتكاز للاستقرار الإقليمي، أم أن المطلوب فقط إبقاؤه في حالة “توازن هش” يمنع الانفجار الكبير دون أن يسمح بولادة نموذج اقتصادي مستقل؟

ما بين الدعم والسيادة

التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يكمن في استقطاب الزيارات الدولية، بل في قدرته على تحويل الاهتمام الخارجي إلى فرصة لإعادة بناء عقده الاقتصادي والاجتماعي. فالدعم الألماني، مهما بلغ حجمه، لن يكون كافيًا ما لم تُنجز إصلاحات داخلية جذرية تعيد الثقة بالمؤسسات وتضع حدًا لاقتصاد الريع والمحاصصة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال