شهد مجلس الأمن الدولي إحاطة هامة لنائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، "كلاوديو كوردوني"، هي الأولى له في منصبه الجديد، حيث ركزت بشكل أساسي على ضرورة التنفيذ الكامل والسريع للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وأثنى كوردوني على الأطراف لتوصلها إلى "اتفاق شامل" يهدف إلى الدمج السلمي لشمال شرق سوريا، مشيراً إلى أن الأعمال العدائية توقفت فعلياً، وأن العمل جارٍ على خطة تنفيذ إيجابية.
ودعت الأمم المتحدة إلى ضمان حقوق الأكراد السوريين وتسهيل العودة الآمنة والكريمة للنازحين، معتبرة أن نجاح هذا الاتفاق يمثل ركيزة أساسية لتهيئة الظروف التي تمكن السوريين من العيش بكرامة وأمان، بعيداً عن صراعات النفوذ التي استنزفت المنطقة لسنوات.
المسار السياسي.. من "خارطة طريق السويداء" إلى مجلس الشعب
لم تقتصر الإحاطة الأممية على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل المسار السياسي المتعثر؛ حيث جدد "كوردوني" دعوته للانخراط في إجراءات بناء الثقة، وعلى رأسها "خارطة طريق السويداء" الصادرة في سبتمبر الماضي.
وفيما يخص الانتقال السياسي، أكد المسؤول الأممي على أهمية ضمان تمثيل مناطق سوريا وفئاتها المتنوعة في مجلس الشعب السوري بشكل فاعل وذو مصداقية.
وشدد كوردوني على أن أي انتقال سياسي ناجح يجب أن يستند إلى ركنين أساسيين: حماية حقوق الإنسان ومعالجة قضية المفقودين، والعدالة الانتقالية.
كما أشار بوضوح إلى أن المشاركة السياسية للمرأة السورية ليست مجرد خيار، بل هي "عماد الدولة" الملتزمة بالتعددية والشمول، مشيداً بالدور الاستثنائي الذي لعبته النساء السوريات والمجتمع المدني طوال الأشهر الـ 14 الماضية من الحراك المستمر.
تحذيرات من التوغلات الإسرائيلية والأزمات الإنسانية المتراكمة
على الجانب الآخر من المشهد السوري، أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء استمرار التوغلات وعمليات البحث الإسرائيلية في الجنوب السوري، مسلطة الضوء على تقارير تفيد بقيام إسرائيل برش مبيدات من الجو، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمحاصيل والمراعي وهدد الأمن الغذائي للسكان.
وفي موازاة ذلك، قدمت "ليزا دوتن"، المسؤولة في مكتب "أوتشا"، أرقاماً صادمة حول الوضع الإنساني؛ حيث لا يزال هناك نحو 130 ألف نازح في محافظات الحسكة والرقة وحلب جراء اشتباكات الشهر الماضي، لافتة إلى أن أكثر من 90% من هؤلاء النازحين هم من النساء والفتيات.
ورغم هذه الهشاشة، أكدت دوتن وصول المساعدات الأممية لـ 200 ألف شخص، معتبرة أن هناك "مؤشرات مشجعة طفيفة" على تحسن الوضع إذا ما توفر الدعم الدولي الكافي.
خطة الاستجابة لعام 2026.. أولويات الربع الأول
تستعد الأمم المتحدة لإطلاق اللمسات النهائية على خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، حيث وضعت أولويات واضحة للربع الأول من العام. وتشمل هذه الأولويات إيصال المساعدات الحيوية للمتضررين من العنف والكوارث الطبيعية، وتكثيف جهود إزالة الألغام لتمكين عودة الخدمات الأساسية والنشاطات التجارية، بالإضافة إلى تعزيز خدمات المياه والصحة التي تنقذ الأرواح.
وأكدت المسؤولة الأممية أن سوريا قادرة على تجاوز أزمة الاحتياجات الإنسانية المزمنة من خلال ثلاثة مجالات: دبلوماسية منسقة لمنع العنف، زيادة الاستثمارات في التعافي والتنمية، والحفاظ على التمويل الإنساني المباشر، مشددة على أن "خارطة الطريق" يجب أن تعني الحقوق والمساءلة والتمثيل الحقيقي، لا مركزية السلطة في يد شخص أو عائلة جديدة.
مستقبل سوريا بين السيادة والتمثيل الحقيقي
في نهاية المطاف، تعكس الإحاطة الأممية في عام 2026 رغبة دولية في تحويل سوريا من ساحة للنزاع المسلح إلى بيئة للاستقرار السياسي عبر "توسيع قاعدة المشاركة".
إن الدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ضد المدنيين والمقاتلين، والتركيز على الملكية السورية للحل، تؤكد أن الحل العسكري قد وصل إلى نهايته، وأن المرحلة القادمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية تمنع فكرة "الفائز الذي يحصل على كل شيء".
يبقى الرهان على قدرة الأطراف السورية، بدعم من المجتمع الدولي، على تحويل هذه الوعود والإحاطات إلى واقع ملموس يضمن سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ويؤسس لدولة مواطنة تحمي حقوق الجميع دون إقصاء أو تهميش.










