20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

رغد الحيالي تكتب: العراق بين فراغ السلطة وتضخم الأزمات

قراءة في تخبط المشهد السياسي بعد الانتخابات

بقلم: رغد الحيالي
١٥ فبراير ٢٠٢٦
4 دقائق قراءة
28 مشاهدة
العراق

العراق

مع كل دورة انتخابية، يجد العراق نفسه أمام مشهد مألوف لكنه شديد الخطورة: تأخر في تشكيل الحكومة، صراع سياسي مفتوح، وتنامي شعور عام بأن العملية الديمقراطية عاجزة عن إنتاج الاستقرار. وبعد مرور فترة على الانتخابات دون التوصل إلى حكومة جديدة، تتعمق حالة التخبط السياسي، لتتحول من أزمة تفاوضية مؤقتة إلى تحدٍ وجودي يهدد فعالية الدولة ومصداقية النظام السياسي بأكمله.
ديمقراطية بلا حسم: مأزق النظام التوافقي


المشكلة في العراق لا تكمن فقط في نتائج الانتخابات، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه. فالنظام القائم على التوازنات الطائفية والقومية — والذي وُضع لضمان تمثيل الجميع — تحول عملياً إلى آلية تعطيل جماعي. فبدلاً من أن تنتج الانتخابات أغلبية قادرة على الحكم، تخلق برلماناً مجزأً تُدار فيه السياسة بمنطق الصفقات لا البرامج.


هذا الواقع يجعل تشكيل الحكومة عملية تفاوضية طويلة ومعقدة، حيث تتحول المناصب السيادية إلى أوراق ضغط، وتصبح التحالفات قابلة للتفكك في أي لحظة. وهنا يظهر التناقض الأكبر: انتخابات تُنظم باسم التداول الديمقراطي، لكنها تنتهي غالباً إلى انسداد سياسي يعطل إرادة الناخبين.


حكومة تصريف الأعمال: دولة تتحرك بلا رؤية


في ظل غياب حكومة كاملة الصلاحيات، تستمر حكومة تصريف الأعمال في إدارة الشؤون اليومية، لكنها تبقى عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية. هذه الحالة تضع الدولة في وضعية “الإدارة المؤقتة الدائمة”، حيث تتراكم الأزمات دون حلول جذرية.


فالاقتصاد يحتاج إلى قرارات حاسمة، والبنية التحتية تتطلب استثمارات طويلة الأمد، والأمن يحتاج إلى سياسات واضحة، إلا أن غياب حكومة مستقرة يحول دون تحقيق أي تقدم حقيقي. وهكذا، يصبح الزمن السياسي عامل استنزاف إضافي، لا مجرد مرحلة انتقالية.


الاقتصاد رهينة السياسة… والمواطن يدفع الثمن


الفراغ الحكومي لا يبقى محصوراً داخل المؤسسات السياسية، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمواطنين. فتعطل المشاريع، وتأخر الموازنات، وغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة كلها عوامل تزيد من حالة عدم اليقين. المستثمرون يترددون، والقطاع الخاص يتباطأ، بينما يتابع المواطنون مشهداً سياسياً يبدو منفصلاً عن أولوياتهم الأساسية.


وفي ظل هذا الواقع، يتزايد الشعور العام بأن العملية السياسية تدور في حلقة مفرغة، حيث تتكرر الأزمات دون أن تُنتج حلولاً مستدامة.


أزمة ثقة عميقة… ومفترق طرق تاريخي


ربما تكون أخطر نتائج الفراغ الحكومي هي تآكل الثقة الشعبية. فكل تأخير جديد في تشكيل الحكومة يعزز الاعتقاد بأن النظام السياسي عاجز عن إدارة نفسه، فضلاً عن إدارة دولة تواجه تحديات أمنية واقتصادية معقدة. ومع تراجع الثقة، تزداد احتمالات الاحتجاجات أو العزوف السياسي، وهو ما يهدد شرعية المؤسسات على المدى الطويل.


العراق اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي: إما الاستمرار في نموذج سياسي يكرر الأزمات ذاتها، أو الشروع في إصلاحات جذرية تعيد تعريف مفهوم الحكم والتوافق السياسي. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بقدرتها على إنتاج حكومات فعّالة قادرة على اتخاذ القرار.


خاتمة: إلى أين يتجه العراق؟


إن استمرار حالة التخبط بعد الانتخابات يكشف عن خلل عميق يتجاوز الأشخاص والأحزاب ليصل إلى بنية النظام السياسي ذاته. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس متى ستتشكل الحكومة، بل كيف يمكن بناء نظام سياسي يمنع تكرار هذا الفراغ مستقبلاً.
فهل تتعلم القوى السياسية من دروس الماضي وتنتقل نحو نموذج حكم أكثر فاعلية؟ أم سيظل العراق أسيراً لدورات متكررة من الانسداد السياسي، حيث تبدأ الأزمة مع كل انتخابات وتنتهي فقط استعداداً للأزمة التالية؟

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

رغد الحيالي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

رغد الحيالي تكتب: العراق بين فراغ السلطة وتضخم الأزمات - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°