أطلق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان صرخة مدوية بوجه المجتمع الدولي، مؤكداً أن قوات الدعم السريع شنت موجة عنف "مروعة في نطاق وحشيتها" خلال هجومها الأخير للسيطرة على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي.
وكشف التقرير الأممي المستند إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً، تم إجراؤها بين الولاية الشمالية وشرق تشاد، عن حصيلة مرعبة بلغت أكثر من 6000 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى فقط من الهجوم.
هذه المجزرة التي أعقبت 18 شهراً من الحصار المطبق على عاصمة شمال دارفور، لم تكن مجرد اشتباك عسكري، بل تحولت إلى عملية تصفية جسدية واسعة النطاق استهدفت المدنيين العزل داخل منازلهم وعلى طرقات النزوح.
الموت يلاحق الفارين.. إعدامات وتصفيات على طرق الخروج
وفقاً للبيانات الموثقة، فإن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل أحياء مدينة الفاشر، بينما لم ينجُ أولئك الذين حاولوا الفرار؛ إذ وثق التقرير مقتل أكثر من 1600 شخص آخرين على طرق الخروج أثناء محاولتهم النجاة بأنفسهم.
وأشار مكتب حقوق الإنسان إلى أن هذه الأرقام تمثل "الحد الأدنى" الموثق، مؤكداً أن العدد الفعلي للقتلى خلال أسبوع الهجوم أعلى بكثير.
ولم تكتفِ القوات المهاجمة بالقتل المباشر، بل نفذت إعدامات بإجراءات موجزة، وعمليات اختطاف مقابل فدية، وتعذيباً ممنهجاً، واختفاءً قسرياً، فضلاً عن نهب الممتلكات واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية، في انتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية.
فولكر تورك.. الإفلات من العقاب هو "وقود العنف" المستمر
من جانبه، شدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، على أن الانتهاكات المتعمدة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر هي نتيجة طبيعية لسنوات من الإفلات من العقاب التي تغذي دوامات العنف في السودان.
ودعا تورك إلى إجراء تحقيقات "موثوقة ونزيهة" لتحديد المسؤولية الجنائية، ليس فقط لمرتكبي الجرائم المباشرين، بل للقادة وكبار المسؤولين الذين أعطوا الأوامر أو سمحوا بوقوع هذه الفظائع. وأكد تورك، بناءً على زيارته الأخيرة للسودان وشهادات الناجين، أن العنف في الفاشر استُخدم بشكل "منهجي كسلاح حرب" لكسر إرادة السكان وتشريدهم قسرياً.
الأمن المجتمعي في مهب الريح.. مطالبات بالتحرك العاجل
أشار التقرير إلى أن حجم العنف الممارس قد فاقم المعاناة التي عاشها سكان الفاشر خلال أشهر الحصار الطويلة والقصف المدفعي المستمر. وفي ظل هذا الوضع الكارثي، جدد المسؤول الأممي دعوته لأطراف النزاع لاتخاذ خطوات فعالة لوقف الانتهاكات الجسيمة، وحث الدول ذات النفوذ والمنظمات الإقليمية والدولية على التحرك العاجل لمنع تكرار "سيناريو الفاشر" في مناطق أخرى.
وشدد تورك على ضرورة دعم جهود الوساطة للتوصل إلى وقف فوري للأعمال العدائية، وإرساء مسار جاد نحو حكم مدني شامل يضمن العدالة الانتقالية والمحاسبة، كسبيل وحيد لخروج السودان من نفق الحرب المظلم.
تظل أحداث الفاشر وصمة عار في جبين المجتمع الدولي الذي فشل في حماية المدنيين طوال 18 شهراً من الحصار والتنكيل إن توثيق الأمم المتحدة لجرائم الحرب والجرائم المحتملة ضد الإنسانية في عام 2026 يجب ألا يبقى حبيس التقارير الورقية، بل يجب أن يتحول إلى تحرك قانوني دولي يضع القتلة خلف القضبان إن صمود الناجين وشهاداتهم هي الرسالة الأخيرة للعالم بأن "السلام بلا عدالة" هو مجرد استراحة قصيرة تسبق موجة عنف أخرى أكثر وحشية، وأن استقرار السودان يبدأ من إنهاء حصانة القادة العسكريين عن الجرائم الموثقة في دارفور وبقية ولايات البلاد.










