قال الدكتور ليون سيوفي، إلى أن العقيدة الإيرانية تعتمد على مراكمة الضغوط في ساحات متعددة وتوزيع الأدوار بين حلفائها في المنطقة، مما يسمح لها بهامش واسع من المناورة السياسية دون الانزلاق إلى صدام جبهوي مع القوات الأمريكية.
إن فهم مسارات الرد المحتملة في هذه المرحلة الحرجة يتجاوز كونه ترفاً فكرياً، بل يمثل ضرورة أمنية وسياسية قصوى للتنبؤ بشكل الخريطة الإقليمية القادمة.
إيران تدرك تماما أن تكلفة المواجهة المباشرة باهظة، لذا تلجأ إلى تفعيل جبهات اليمن ولبنان والعراق، محولة هذه الساحات إلى منصات لإرسال رسائل سياسية وعسكرية مشفرة تهدف إلى إرباك حسابات واشنطن وحلفائها، مع الحفاظ على شعرة معاوية في المسارات الدبلوماسية الخلفية.
اليمن ومعادلة البحر الأحمر
تعتبر الساحة اليمنية في الوقت الراهن من أكثر الأوراق فاعلية في يد المحور الذي تقوده طهران، نظرًا لموقعها الاستراتيجي المتحكم في طرق التجارة العالمية. ووفقاً لتقارير عسكرية وميدانية، فإن استهداف الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثل أداة ضغط اقتصادية هائلة تتجاوز حدود المنطقة لتصل ارتداداتها إلى الأسواق العالمية، مما يضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام تحديات لوجستية وأمنية معقدة تتطلب استجابات عسكرية مستمرة ومكلفة.
ويعود اختيار اليمن كساحة للتصعيد إلى دافع استراتيجي يتمثل في بعد الجغرافيا اليمنية عن الحدود الإيرانية المباشرة، مما يقلل من التبعات السياسية والقانونية على طهران أمام المجتمع الدولي. إن الهدف الجوهري من تحويل البحر الأحمر إلى منطقة اشتباك دائم هو تعطيل سلاسل الإمداد وتوجيه ضربات رمزية للوجود البحري الأمريكي، مما يعزز موقف المفاوض الإيراني ويؤكد قدرته على التأثير في الاقتصاد العالمي دون الحاجة لإعلان حرب رسمية.
لبنان وحسابات الردع المعقدة
تمثل الجبهة اللبنانية تاريخياً الساحة الأكثر حساسية وخطورة في ميزان الردع الإقليمي، حيث تخضع قواعد الاشتباك فيها لرقابة دقيقة وحسابات معقدة. فالتصعيد المحسوب على الحدود الجنوبية يهدف إلى إبقاء القدرات الصاروخية واللوجستية كقوة ردع حاضرة في الأذهان، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تشعل حرباً مفتوحة لا تقتصر آثارها على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل البنية التحتية والنسيج الاجتماعي المنهك أصلاً بفعل الأزمات المتلاحقة.
وتبرز المعضلة الكبرى في الحالة اللبنانية عند النظر إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير الذي تعيشه البلاد، حيث إن أي مغامرة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى انهيار شامل للدولة ومؤسساتها. لذا، فإن السيناريو الأرجح يكمن في استخدام هذه الجبهة كمنصة لإرسال رسائل سياسية وضمان بقاء لبنان كعنصر فاعل في معادلة الردع، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، إلا في حال فرضت التطورات الإقليمية الكبرى واقعاً جديداً يجبر الأطراف على تغيير قواعد اللعبة المعتادة.
العراق وساحة الاستنزاف المفتوحة
يظل العراق الساحة الأكثر قابلية لاستقبال رسائل الاستنزاف المباشر ضد الوجود العسكري الأمريكي، وذلك لطبيعة التداخل الجغرافي والسياسي الكبير مع الجار الإيراني.
وتتنوع أدوات المواجهة في هذه الساحة بين ضربات صاروخية محدودة تستهدف القواعد العسكرية، وعمليات تحرش أمني مدروسة، بالتوازي مع ضغط سياسي داخلي مكثف يهدف إلى إحياء ملف انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وهو ما يضع إدارة ترامب في حالة من الاستنفار الدائم.
وتكمن الميزة التكتيكية للساحة العراقية في وجود أهداف أمريكية واضحة يمكن استهدافها بشكل رمزي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، مما يمنح طهران فرصة لإثبات حضورها الميداني وقدرتها على إزعاج واشنطن في عقر نفوذها الإقليمي.
إن منطق إدارة الصراع هنا يقوم على توزيع الردود وضمان "الإنكار السياسي" للحفاظ على قنوات الدبلوماسية، مع رفع سقف المطالب تدريجياً بناءً على ردود الفعل الأمريكية، بهدف إنهاك الخصم واستنزاف موارده ببطء.
فلسطين والعدوان المستمر منذ أكتوبر
لا يمكن قراءة هذه السيناريوهات بمعزل عن الواقع المأساوي في فلسطين، حيث يستمر العدوان الإسرائيلي والمجازر الممنهجة التي بدأت منذ شهر أكتوبر من عام 2023.
وتؤكد الوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية زيف الرواية الإسرائيلية التي تحاول تبرير جرائم الحرب، مشددة على الدور الأمريكي المباشر في دعم هذا العدوان بالسلاح والغطاء السياسي، وهو ما يجعل من جبهات الإسناد في اليمن ولبنان والعراق جزءاً من صراع أوسع يهدف إلى كسر الغطرسة المدعومة من واشنطن.
إن النبرة النقدية تجاه الاحتلال الإسرائيلي والتدخلات الخارجية تفرض ضرورة تسليط الضوء على حجم الدمار الذي خلفته آلة الحرب الإسرائيلية منذ نهاية عام 2023 وحتى عامنا الحالي 2026.
وتعتبر طهران أن دعم القضية الفلسطينية يمثل حجر الزاوية في استراتيجيتها الإقليمية، حيث تسعى لتثبيت معادلة ردع جديدة تحمي موقعها وتمنع عزلها، في وقت تواصل فيه أمريكا تقديم الدعم اللامحدود للكيان الإسرائيلي، مما يعمق الفجوة ويزيد من احتمالات الانفجار في الساحات المختلفة.
الدولة والسيادة كطوق نجاة
وتجد الدول الضعيفة نفسها بين مطرقة المعادلات الإقليمية وسندان النيران المشتعلة، خاصة في حالة لبنان الذي لا يمكنه الاستمرار كمجرد ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة تفاوضية. إن المطلوب وطنياً في هذه المرحلة هو استعادة هيبة الدولة وإعطاء الأولوية لمفهوم المصلحة العليا وحماية المجتمع من الارتدادات الكارثية للصراعات الكبرى، وذلك قبل أن تُفرض معادلات قسرية تتجاوز قدرة البلاد على التحمل أو المواجهة.
إن دروس التاريخ تؤكد أن المشاريع السيادية الجامعة هي الوحيدة القادرة على حماية الأوطان في أزمنة التحولات العظمى، حيث يكون الخاسر الأكبر دائماً هو من لا يمتلك رؤية وطنية واضحة. وفي ظل إدارة الرئيس ترامب التي تتسم بالبراجماتية والضغط الشديد، يصبح لزاماً على القوى السياسية في المنطقة إدراك أن اللعب على حافة الهاوية قد يؤدي إلى سقوط مدوٍ إذا لم يتم تحصين الجبهات الداخلية بمنطق الدولة القوية القادرة على حماية شعبها وسيادتها.









