منذ أكتوبر 2023، لم تعد مستشفيات غزة مجرد منشآت مدنية تقدّم العلاج للجرحى والمرضى، بل تحوّلت إلى أهداف مباشرة في حرب طالت كل ما يمتّ للحياة بصلة. عشرات المستشفيات والمراكز الصحية خرجت عن الخدمة كليًا أو جزئيًا نتيجة القصف، ونفاد الوقود، واستهداف محيطها، ومنع دخول الإمدادات الطبية، في مشهد غير مسبوق من حيث الكثافة والاتساع. ووفقًا لبيانات وزارة الصحة في غزة وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة، فإن جزءًا كبيرًا من البنية التحتية الصحية في القطاع تعرّض للتدمير أو التعطيل، ما أدخل المنظومة الطبية في حالة انهيار شبه كامل.
مستشفيات متوقفة
لم يعد التهديد بتوقف مستشفى شهداء الأقصى مجرد احتمال إداري أو أزمة تشغيل عابرة، بل تحوّل إلى إنذار وجودي يطال مئات الآلاف من الفلسطينيين في وسط قطاع غزة. هذا المستشفى، الذي يُعدّ من أكبر المرافق الطبية في المنطقة الوسطى، يعمل منذ شهور في ظروف تتجاوز حدود الاحتمال، مع نقص حاد في الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية، وسط استهداف متكرر للبنية التحتية الصحية في القطاع.
بحسب بيانات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، فإن المستشفى مهدد بالتوقف الكامل بسبب نفاد الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية، في ظل انقطاع التيار بشكل شبه دائم. ومع استمرار الحصار وإغلاق المعابر، تتحول مسألة الإمداد الطبي إلى معركة بقاء يومية، حيث يقف الطاقم الطبي أمام خيارين أحلاهما مرّ: إطفاء أجهزة الإنعاش أو المفاضلة بين المرضى.
20 ألف مريض ينتظرون رفح
في خلفية هذا المشهد القاتم، يقف أكثر من 20 ألف مريض فلسطيني على قوائم انتظار السفر عبر معبر رفح، بحسب مصادر طبية محلية وتقارير حقوقية. هؤلاء المرضى، وبينهم حالات سرطان وأمراض قلب وفشل كلوي وإصابات حرب معقدة، يحتاجون إلى تدخلات عاجلة غير متوفرة داخل القطاع المنهك.
إغلاق المعبر لفترات طويلة، وتعقيدات إجراءات التنسيق، حوّلت الحق في العلاج إلى معادلة سياسية وأمنية تخضع لحسابات لا علاقة لها بالطب. ووفقًا لتقارير أممية، فإن منع أو تأخير سفر المرضى أدى إلى تدهور حالات كثيرة ووفاة عدد منهم أثناء الانتظار. وهنا لا يصبح السفر مسألة انتقال جغرافي، بل معركة مع الزمن، يخسرها الأضعف أولًا.
الصحة كسلاح حرب
منذ أكتوبر 2023، تتعرض المنظومة الصحية في غزة لضربات ممنهجة، شملت استهداف مستشفيات ومراكز إسعاف ومخازن أدوية، إلى جانب اعتقال كوادر طبية ومنع دخول الإمدادات. هذه الوقائع، التي وثّقتها منظمات دولية عدة، تكشف نمطًا يتجاوز الأضرار الجانبية للحرب، ليصل إلى استخدام الصحة كسلاح ضغط مباشر على المجتمع المدني.
الرواية الإسرائيلية طالما بررت استهداف المستشفيات بادعاءات استخدام فصائل فلسطينية لها لأغراض عسكرية، غير أن تحقيقات مستقلة وتقارير حقوقية دولية شككت مرارًا في هذه الادعاءات، وأشارت إلى غياب أدلة حاسمة تبرر حجم الدمار الذي طال البنية الصحية. وبين خطاب أمني إسرائيلي ووقائع إنسانية دامغة، يبقى المدنيون هم الضحايا المباشرين لسياسة تُفرغ المستشفى من معناه الإنساني وتحوله إلى هدف.
استراتيجية الاستنزاف المدني
لا يمكن فصل انهيار النظام الطبي عن سياق أوسع من الحصار والتجويع وتقييد الإمدادات الأساسية. فحرمان المستشفيات من الوقود، ومنع دخول الأجهزة الطبية، وتأخير سفر المرضى، كلها أدوات تندرج ضمن ما يمكن وصفه باستراتيجية استنزاف مدني طويلة الأمد، تهدف إلى إنهاك المجتمع من الداخل عبر ضرب مقومات بقائه الأساسية.
الدور الأمريكي في هذا السياق يظل حاضرًا بوضوح، سواء عبر الدعم العسكري والسياسي المستمر لإسرائيل، أو من خلال استخدام حق النقض في مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، بحسب ما أوردته وسائل إعلام دولية وتقارير أممية. هذا الدعم يمنح غطاءً سياسيًا لاستمرار العمليات العسكرية، بما في ذلك تلك التي تطال القطاع الصحي، ويُبقي المنظومة الطبية في غزة رهينة توازنات دولية لا تعكس حجم الكارثة الإنسانية.
بين الألم والصمود
داخل أروقة مستشفى شهداء الأقصى، كما في غيره من مستشفيات القطاع، يعمل الأطباء والممرضون في ظروف أقرب إلى طب الكوارث الدائم. غرف العمليات تعمل أحيانًا بلا تخدير كافٍ، وأقسام العناية المركزة مكتظة بما يفوق طاقتها الاستيعابية، فيما ينام الجرحى في الممرات. ورغم ذلك، تستمر محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في صورة تختلط فيها المأساة بالكرامة.
الحديث عن 20 ألف مريض ينتظرون السفر ليس رقمًا إحصائيًا مجردًا، بل حكايات لأمهات ينتظرن جرعة علاج كيميائي، وأطفال يحتاجون إلى جراحة قلب مفتوح، وشيوخ أنهكهم الفشل الكلوي. حين تتعطل المستشفيات، لا يتوقف العلاج فقط، بل يتآكل الإحساس بالأمان الجماعي، ويتحول المرض إلى حكم مؤجل بالموت.
في غزة اليوم، لم تعد الحرب تُقاس بعدد الصواريخ فحسب، بل بعدد أجهزة التنفس التي تتوقف، وعدد المرضى الذين يموتون بصمت على قوائم الانتظار. وهنا تتكشف حقيقة مُرّة: حين تُستهدف الصحة، يُستهدف المجتمع بأكمله، وحين يُحاصر الدواء، يُعاد تعريف الحرب باعتبارها عملية استنزاف شاملة للإنسان قبل الأرض.









