تأتي هذه القراءة في سياق متابعة موقع 180 تحقيقات لملف الإصلاح الإداري والمالي في العراق، حيث يوضح طالب محمد كريم، أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، أبعاد قرار الحكومة إنهاء عقود المستشارين والخبراء.
ويشير إلى أن الخطوة لا تنحصر في تقليص النفقات، بل ترتبط بإعادة تقييم دور الوظائف الاستشارية ومعايير اختيارها وفاعليتها في دعم القرار العام.
ومن خلال هذا الطرح، يسلّط الضوء على التوازن بين الحاجة لترشيد الإنفاق وضمان استمرار الخبرة الفنية داخل مؤسسات الدولة، باعتبارها قضية تتجاوز الإجراء المالي إلى جوهر إصلاح الإدارة العامة.
وإليكم نص الحوار:
ما الأسباب التي دفعت الحكومة العراقية إلى إنهاء عقود المستشارين والخبراء لضغط النفقات؟
أن القراءة الأوسع للقرار لا تتوقف عند البعد المالي فقط، إذ إن ملف المستشارين في العراق ظلّ لسنوات محل جدل بسبب غياب معايير شفافة وواضحة للاختيار، وتداخل الاعتبارات المهنية مع التوازنات الحزبية والترضيات السياسية والجهوية. فالمستشار، من حيث المبدأ، يفترض أن يقدم دراسات تحليلية، ويتابع تنفيذ البرامج الحكومية، ويزود صانع القرار بتوصيات فنية تستند إلى خبرة تخصصية واضحة. لكن في التطبيق العملي، لم يكن الجمهور أو حتى بعض المؤسسات يعرف بدقة آليات الاختيار، ولا طبيعة المهام المقاسة بالأداء، ولا حجم الأثر الفعلي لهذه المواقع على تسريع المشاريع أو تحسين الإدارة.
ما تأثير هذه الخطوة على المشاريع والبرامج التي كان يعمل عليها المستشارون والخبراء؟
أما من حيث التأثير، فمن المتوقع أن يؤدي القرار إلى تخفيف جزء من العبء المالي على الموازنة، وفي الوقت نفسه سيدفع الوزارات والمؤسسات إلى الاعتماد أكثر على كوادرها الداخلية في المتابعة والتخطيط. إلا أن ذلك قد يخلق، في المدى القصير، فجوة مؤقتة في بعض الملفات الفنية التي كانت تعتمد على خبرات خارج الملاك، خصوصاً إذا لم تُفعَّل بدائل واضحة وسريعة. ومن هنا، فإن نجاح الخطوة لن يقاس بإنهاء العقود بحد ذاته، بل بقدرة الدولة على إعادة توزيع المهام بكفاءة ومن دون إبطاء المشاريع.
كيف استقبلت الأوساط المهنية والسياسية هذا القرار داخل العراق؟
سياسياً ومهنياً، كان استقبال القرار متبايناً، فهناك من عدّه خطوة ضرورية لضبط الإنفاق وإنهاء ظاهرة (الوظائف غير المنتجة)، بينما رأى آخرون أنه إجراء غير كاف ما لم يترافق مع إصلاح شامل لمنظومة التعيينات ووضع معايير معلنة وشفافة لاختيار أي مستشار مستقبلي. وبعبارة أخرى، فإن المشكلة لم تكن في مبدأ الاستشارة بحد ذاته، بل في غياب مركزية واضحة للوظيفة الاستشارية، وعدم ربطها بمؤشرات أداء قابلة للقياس.
ما البدائل التي ستعتمدها الحكومة لتعويض الخدمات التي كان يقدمها هؤلاء المستشارون؟
في المحصلة، يمكن القول إن القرار يحمل بعداً مالياً واضحاً، لكنه يلامس أيضاً إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الإدارة العامة في العراق: هل تُمنح المواقع الاستشارية على أساس الحاجة الفنية والكفاءة، أم تتحول إلى امتدادات لتوازنات سياسية؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كان إنهاء العقود خطوة إصلاحية حقيقية، أم مجرد معالجة ظرفية لضغط النفقات.
في الختام، يظهر قرار الحكومة العراقية إنهاء عقود المستشارين والخبراء كخطوة مالية وإدارية في الوقت ذاته، لكنه يفتح ملفاً أوسع حول طبيعة الإدارة العامة وشفافية التعيينات في العراق.
فنجاح هذه الخطوة لن يُقاس فقط بتقليص النفقات، بل بمدى قدرة الدولة على إعادة توزيع المهام بكفاءة، وضمان استمرارية الخبرات الفنية الضرورية لدعم المشاريع الحكومية.
وبالنظر إلى التباين في استقبال القرار بين الأوساط المهنية والسياسية، يبقى التحدي الأكبر هو خلق منظومة استشارية قائمة على الكفاءة والمعايير المهنية، بعيداً عن التوازنات الحزبية، لتكون خطوة إصلاحية حقيقية تستجيب لمتطلبات الدولة والمواطن معاً.









