تتصدر الساحة في لبنان، نقاشات حادة حول خطة حصر السلاح، وهي المرحلة التي وُصفت بأنها "المخاض العسير" لاستعادة هيبة الدولة المفقودة منذ عقود.
ووفقا لتقارير إعلامية ومتابعات رسمية، أعلن وزير الإعلام اللبناني في فبراير الجاري أن الحكومة بصدد البت في آلية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح، وذلك بعد أن أتم الجيش اللبناني سيطرته العملياتية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.
هذا الحراك لا ينفصل عن الضغوط الدولية المستمرة، حيث يرى مراقبون أن الدولة اللبنانية تقف أمام اختبار حقيقي لقدرتها على فرض سلطتها القانونية، في ظل وجود قوى مسلحة خارج إطار الشرعية تتلقى دعما إقليميا، مما يضع مفهوم "السيادة" على المحك.
إن الجدل الدائر في أروقة الحكومة والبرلمان اللبناني يعكس انقساما بنيويا حول توقيت وكيفية نزع السلاح، خاصة سلاح "حزب الله" الذي يرفض التخلي عن ترسانته، معتبراً إياها ضرورة دفاعية.
ومع ذلك، تشير تقارير صحفية إلى أن هناك إصرارا أمريكيا، على تجفيف منابع تمويل المجموعات المسلحة وفرض تطبيق كامل للقرارات الدولية.
هذا المشهد السياسي المعقد يطرح تساؤلا جوهرياً حول ما إذا كان حصر السلاح هو المدخل الوحيد لبناء الدولة، أم أن هناك مسارات أخرى يمكن البدء منها لتفكيك الأزمة المزمنة.
زيارة أوروبية ودعم مشروط
تأتي زيارة الوفود الأوروبية، وعلى رأسها وزير الخارجية الفرنسي في فبراير 2026، كجزء من محاولة "الترهيب والترغيب" التي تمارسها القارة العجوز تجاه لبنان.
فبحسب ما أوردته "الوكالة الوطنية للإعلام"، تهدف هذه الزيارات إلى متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتحفيز الشركاء الدوليين للمشاركة في مؤتمر دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية المقرر عقده في فبراير الجاري.
وتعتبر فرنسا أن تعزيز قدرات الجيش اللبناني هو العمود الفقري لأي عملية إصلاحية، حيث لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي أو نمو اقتصادي في ظل بيئة أمنية هشة تعتمد على توازنات القوى المسلحة غير الرسمية.
وتؤكد التقارير أن الاتحاد الأوروبي يربط استثماراته وإعمار ما دمرته الحروب والاعتداءات بمدى تقدم الدولة في بسط سيادتها الكاملة. فالمنطق الأوروبي، المدعوم برؤية اقتصادية براغماتية، يرى أن رؤوس الأموال لن تتدفق إلى بلد يعيش على فوهة بركان، حيث تظل قرارات الحرب والسلم رهينة أجندات لا تخضع للمؤسسات الدستورية. ومن هنا، تصبح الزيارة الأوروبية بمثابة "حقنة إنعاش" سياسية واقتصادية، لكنها مشروطة بخطوات عملية نحو حصر السلاح تحت إمرة المؤسسة العسكرية وحدها.
الاقتصاد كبوابة لبناء الدولة
في ظل الانهيار المالي التاريخي الذي يعيشه لبنان، يبرز تساؤل حول ما إذا كان بناء الدولة يبدأ من الاقتصاد أولاً.
ووفقا لمناقشات موازنة العام 2026 في البرلمان اللبناني، يرى نواب ومحللون أن "فجوة الثقة" المالية لا يمكن ردمها دون توفير بيئة أمنية مستقرة تجذب الاستثمارات.
ومع ذلك، ثمة وجهة نظر أخرى طرحها مختصون في الشأن اللبناني تشير إلى أن "التعافي الهش" الذي يشهده البلد حالياً هو نتاج سياسات ترقيعية لا تلمس جوهر الأزمة، وهو غياب "المشروع الوطني" الذي يجمع بين الإصلاح المالي والسيادة العسكرية.
إن الاعتماد على الاقتصاد كمدخل وحيد لبناء الدولة قد يكون مقامرة محفوفة بالمخاطر إذا لم يرافقه حسم لملف السلاح.
فبناء المطار والمرفأ وإعادة الإعمار، كما ذُكر في التقارير الاقتصادية لعام 2026، يتطلب "تصفير السياسة" والمحاصصة الطائفية التي تغلغلت في مفاصل الدولة.
فبناء الدولة من الاقتصاد يتطلب أولاً تحرير هذا الاقتصاد من قبضة القوى التي تستخدم "السلاح" كأداة للتعطيل السياسي أو للحماية من المحاسبة المالية، مما يجعل المسارين الاقتصادي والأمني وجهين لعملة واحدة لا يمكن فصلهما.
السيادة في مواجهة التدخلات
لا يمكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن التدخلات الأجنبية والأطماع الإسرائيلية المستمرة، حيث يرى الجانب اللبناني الرسمي أن تنفيذ خطة حصر السلاح مرتبط أيضاً بانسحاب إسرائيل الكامل من النقاط المحتلة ووقف خروقاتها.
وبحسب تقارير صادرة عن أتلانتك كانسل، فإن الضغوط التي تمارسها واشنطن تحت إدارة الرئيس ترامب تضع الحكومة اللبنانية في مأزق بين رغبتها في الدعم الدولي ومخاوفها من الانزلاق إلى فتنة داخلية. وتظل الحقيقة المرة هي أن لبنان يُدفع دفعاً نحو خيارات صعبة، حيث تُستخدم المساعدات الاقتصادية كأداة ضغط لتنفيذ أجندات سياسية قد لا تتوافق مع التوازنات الداخلية الدقيقة.
وفي الوقت الذي يتم فيه تسليط الضوء على سلاح المقاومة، يتم تجاهل الدور الأمريكي المباشر في الحروب التي شهدتها المنطقة، خاصة ما حدث في فلسطين منذ أكتوبر 2023 من مجازر مروعة، والتي تزيد من فقدان الثقة في الوعود الدولية.
النظرة اللبنانية الرسمية، كما عبر عنها بعض المسؤولين، تؤكد أن بناء الدولة القوية يتطلب جيشاً قادراً على حماية الحدود من الأطماع الصهيونية، وليس فقط نزع سلاح المكونات الداخلية. وهذا التوازن الدقيق هو ما سيحدد مصير لبنان في عام 2026، بين أن يكون دولة ذات سيادة أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.










