21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

الضفة الغربية على حافة التحول الكبير: سباق الأرض والسكان قبل رمضان

تشهد الضفة الغربية منذ أسابيع تصعيدًا عسكريًا لافتًا يتجاوز في طبيعته الإيقاع المعتاد لاقتحامات الاحتلال، سواء من حيث كثافة الانتشار أو طبيعة الأهداف المعلنة وغير المعلنة

بقلم: سماح عثمان
١٧ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
6 مشاهدة
الضفة الغربية

الضفة الغربية

تشهد الضفة الغربية منذ أسابيع تصعيدًا عسكريًا لافتًا يتجاوز في طبيعته الإيقاع المعتاد لاقتحامات الاحتلال، سواء من حيث كثافة الانتشار أو طبيعة الأهداف المعلنة وغير المعلنة. فقبل حلول شهر رمضان، الذي يحمل في العادة حساسية دينية وسياسية مضاعفة، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات إضافية إلى عدد من المدن والمخيمات، مع تركيز خاص على شمال الضفة، في مشهد يعكس استعدادًا لمرحلة مختلفة تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة إلى ما هو أعمق وأبعد أثرًا.

الاقتحامات اليومية، وإغلاق المداخل الرئيسية للمدن، وتكثيف الحواجز العسكرية، ترافقت مع عمليات هدم وتجريف وتضييق اقتصادي، ما يشي بأن المسألة لا تتعلق فقط بملاحقة مجموعات مقاومة، بل بإعادة تشكيل البيئة الحاضنة اجتماعيًا وديموغرافيًا. هذه السياسة، التي تتصاعد بالتوازي مع الحرب المستمرة على غزة منذ أكتوبر 2023 وما شهدته من مجازر موثقة بحق المدنيين، تعكس مقاربة شاملة يتبناها الاحتلال بدعم أمريكي مباشر، وفق ما تؤكده تقارير حقوقية دولية تحدثت عن غطاء سياسي وعسكري توفره أمريكا لتوسيع العمليات في الأراضي الفلسطينية.

أملاك دولة أم هندسة سيطرة؟

في خضم هذا التصعيد، برز إعلان سلطات الاحتلال تسجيل مساحات جديدة من أراضي الضفة تحت تصنيف "أملاك دولة"، وهو إجراء قانوني إسرائيلي يُستخدم منذ سنوات لتكريس السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتحويلها لاحقًا إلى مجال استيطاني مغلق. هذا التصنيف لا يعني فقط مصادرة الأرض من أصحابها الفلسطينيين، بل يشكل قاعدة قانونية لتمدد استيطاني جديد، غالبًا ما يتبعه بناء بؤر أو توسيع مستوطنات قائمة، بما يقطع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية.

خبراء قانون دولي يعتبرون هذا الإجراء انتهاكًا واضحًا لاتفاقيات جنيف التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو إجراء تغييرات دائمة فيها. ومع ذلك، تتواصل عمليات التسجيل بوتيرة متسارعة، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان الاحتلال يسعى إلى حسم مساحات واسعة من الضفة قبل أي ضغوط دولية محتملة لوقف التمدد الاستيطاني، خاصة في ظل تراجع الحديث الدولي عن مسار سياسي فعلي بعد تعثر كل المبادرات منذ سنوات.

التصعيد في الضفة 

في هذا السياق، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الإجراءات الأحادية في الضفة الغربية، بما في ذلك توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي، من شأنها تقويض ما تبقى من إمكانية تطبيق حل الدولتين. وأكد، وفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، أن استمرار هذه السياسات يهدد بإغلاق الأفق السياسي بالكامل، ويكرّس واقع الدولة الواحدة غير المتساوية، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي.

غير أن هذه التحذيرات الأممية، على أهميتها، تبدو حتى الآن بلا أدوات ردع فعلية. فالمجتمع الدولي يكرر تمسكه اللفظي بحل الدولتين، في وقت تتآكل فيه الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية يومًا بعد يوم. وبينما تواصل أمريكا تقديم الدعم السياسي والعسكري للاحتلال، تتراجع فعالية الضغوط الدبلوماسية، ما يمنح الحكومة الإسرائيلية هامشًا أوسع للمضي في سياساتها دون خشية من كلفة دولية حقيقية.

رمضان كموعد حساس

يحمل شهر رمضان في الوعي الفلسطيني بعدًا يتجاوز العبادة، إذ يتحول غالبًا إلى مساحة تعبير جماعي عن الغضب والاحتجاج، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على القدس والمسجد الأقصى. ومن هنا، يبدو أن التصعيد العسكري في الضفة قبل رمضان ليس توقيتًا عابرًا، بل خطوة استباقية تهدف إلى ضبط الميدان ومنع تشكل موجة احتجاج واسعة قد تتقاطع مع ما يجري في غزة.

تجارب السنوات السابقة تشير إلى أن أي احتكاك في القدس أو اقتحام واسع للمسجد الأقصى قد يشعل الضفة بسرعة، وهو ما يدفع الاحتلال إلى تشديد القبضة الأمنية مسبقًا. لكن هذا التشديد، بدل أن يهدئ الأوضاع، كثيرًا ما يغذي مشاعر الغضب ويعمق القناعة بأن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية، بل محاولة لإعادة هندسة الواقع السكاني والسياسي على الأرض.

حسم ديموغرافي صامت؟

السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه الإجراءات المتزامنة — من التصعيد العسكري إلى تسجيل الأراضي — تمثل جزءًا من خطة أوسع لحسم ديموغرافي صامت في الضفة الغربية. فالمصادرات، إلى جانب القيود على البناء الفلسطيني وهدم المنازل، تدفع تدريجيًا نحو تضييق الخناق على التجمعات السكانية، بما قد يفضي إلى هجرة داخلية قسرية أو إعادة توزيع قسري للسكان.

في المقابل، يتوسع الاستيطان بوتيرة أعلى، ما يخلق واقعًا ديموغرافيًا جديدًا يجعل أي حديث مستقبلي عن انسحاب أو تفكيك مستوطنات أكثر تعقيدًا سياسيًا وأمنيًا. وهكذا، قد يتحول التصعيد الراهن إلى لحظة مفصلية يُعاد فيها رسم حدود السيطرة الفعلية على الضفة، ليس عبر إعلان رسمي، بل من خلال تراكم إجراءات تبدو قانونية أو أمنية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعيد تشكيل الخريطة على حساب الفلسطينيين.

بين تحذيرات الأمم المتحدة، وتصعيد الاحتلال، واستمرار الحرب على غزة بدعم أمريكي، تبدو الضفة الغربية أمام اختبار تاريخي جديد. فإما أن تنجح الضغوط الدولية في كبح مسار التمدد، أو أن يتحول ما يجري قبل رمضان إلى خطوة إضافية في مسار طويل من فرض الوقائع، حيث يُستخدم القانون والقوة معًا لإغلاق الباب أمام أي أفق سياسي عادل.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الضفة الغربية على حافة التحول الكبير: سباق الأرض والسكان قبل رمضان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°