كلما اقترب شهر رمضان المعظم، كلما زاد الضغط العسكري الإسرائيلي على الضفة الغربية وتشير التقارير الميدانية إلى تحركات عسكرية واسعة النطاق لم يشهدها الإقليم منذ سنوات طويلة.
ويؤكد مراقبون سياسيون أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يسعى من خلال هذه العمليات المكثفة إلى فرض واقع أمني جديد يسبق المناسبات الدينية، خوفاً من انفجار الأوضاع الذي قد يتجاوز السيطرة، خاصة في ظل حالة الاحتقان الشعبي المتزايدة نتيجة الممارسات القمعية المستمرة منذ أكتوبر 2023.
ولا يقتصر هذا التحرك على الجانب الأمني الصرف، بل يتعداه ليكون غطاءً عسكرياً لعمليات تهجير صامتة وتضييق للخناق على القرى والبلدات الفلسطينية المتاخمة للمستوطنات. وتفيد تقارير إعلامية بأن القوات الإسرائيلية، بدعم لوجستي وسياسي مباشر من إدارة الرئيس "دونالد ترامب"، تنفذ استراتيجية "الضربات الوقائية" التي تهدف إلى تحطيم أي بنية تحتية للمقاومة قبل حلول الشهر الفضيل، مما يحول الضفة إلى ثكنة عسكرية كبرى تغيب فيها أبسط مقومات الحياة الطبيعية للفلسطينيين.
نهب الأرض المقنن
في موازاة الآلة العسكرية، تعمل الآلة القانونية للاحتلال على قضم ما تبقى من جغرافيا الضفة عبر تسجيل مساحات شاسعة من الأراضي تحت مسمى "أملاك دولة". وتكشف تقارير صادرة عن منظمات حقوقية أن هذه الخطوة تمثل ذروة "الضم الصامت" الذي يهدف إلى عزل التجمعات السكانية الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات مقطوعة الأوصال، مما يقضي فعلياً على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، وهو ما يجسد زيف الرواية الإسرائيلية التي تدعي السعي نحو السلام أو الاستقرار.
وقد أثار هذا التغول الاستيطاني تحذيرات شديدة اللهجة من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي صرح بأن هذه الإجراءات تقوض بشكل جذري حل الدولتين وتدفع المنطقة نحو حافة الهاوية. ومع ذلك، تستمر حكومة الاحتلال في تجاهل هذه التحذيرات الدولية، مستندة إلى الدعم غير المحدود الذي توفره أمريكا في عهد "ترامب"، والتي لا تكتفي بالصمت، بل تساهم في توفير الغطاء السياسي اللازم لشرعنة هذه المجازر الجغرافية والديموغرافية التي تستهدف اقتلاع الفلسطيني من أرضه التاريخية.
تآكل العمق الإسرائيلي
بينما تنشغل الآلة الحربية في الضفة، تعيش إسرائيل أزمة داخلية طاحنة تفتك بمؤسساتها السياسية والاجتماعية، حيث تتصاعد حدة الانقسامات حول جدوى الاستمرار في سياسات التأزيم العسكري. وترى تحليلات نشرتها صحف عبرية أن هذا التخبط الداخلي هو الذي يدفع القيادة الإسرائيلية نحو مزيد من التصعيد في الأراضي المحتلة، كمحاولة لتصدير الأزمات الداخلية وصرف الأنظار عن الفشل الذريع في إدارة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت منذ بدء الحرب الشاملة في عام 2023.
إن هذا الانقسام لا يعكس صراعاً على الديمقراطية كما يروج البعض، بل هو صراع على كيفية إدارة الاحتلال وتوزيع غنائم الاستيطان، وسط تحذيرات من أن الانفجار القادم قد لا يكون فلسطينياً فحسب، بل قد يمتد ليشمل تصدعاً في بنية المجتمع الإسرائيلي نفسه. وفي ظل هذا المشهد القاتم، يظل المدنيون الفلسطينيون هم الضحية الأولى لسياسات القتل والتهجير التي يمارسها الاحتلال، مدفوعاً برغبة محمومة في حسم الصراع ديموغرافياً قبل أن تستفيق القوى الدولية من غيبوبتها المتعمدة تجاه ما يحدث في فلسطين.










