يرتبط التصعيد العسكري الإسرائيلي ارتباطا وثيقا بالمواسم الدينية، حيث تحول الاحتلال من مجرد مراقب لهذه المناسبات إلى طرف يسعى لتوظيفها كأدوات للضغط السياسي والابتزاز الأمني. ومع اقتراب شهر رمضان، تتصاعد وتيرة الاقتحامات والاعتقالات الاستباقية، ليس فقط لتفريغ الشارع الفلسطيني من قياداته الميدانية، بل لخلق حالة من الرعب النفسي تمنع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى.
وتؤكد تقارير صحفية أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تعتمد "عقيدة الترهيب" قبل الأعياد، محاولةً تحويل كل مناسبة دينية فلسطينية إلى مأتم وطني عبر تشديد الحصار وإغلاق المعابر، وهو ما يظهر جلياً في المماطلة المستمرة بفتح معبر رفح واستمرار الخروقات في قطاع غزة رغم الهدنات الهشة.
إن هذا التوقيت المتعمد يهدف إلى كسر الروح المعنوية للشعب الفلسطيني في أوقات تكتسب فيها الهوية الوطنية والدينية زخماً مضاعفاً. وبحسب تحليل نشرته صحف عربية، فإن إدارة "ترامب" الحالية تبارك هذه التحركات بذريعة "الحفاظ على الأمن الإقليمي"، بينما الحقيقة تكمن في تقديم غطاء كامل للمجازر التي ارتكبت منذ أكتوبر 2023. وفي هذا السياق، تأتي حملة "إكرام الشهداء" لانتشال الجثامين كشاهد حي على بشاعة هذا العدوان، حيث يسابق الفلسطينيون الزمن لاستعادة كرامة موتاهم وسط ركام خلفته آلة الحرب التي لا تحترم قدسية زمان أو مكان، مما يعمق الفجوة بين الخطاب الدولي "المتخاذل" والواقع المرير على الأرض.
ازدواجية القمع القانوني
تتمثل خطورة المرحلة الراهنة في التحول من "الإدارة العسكرية" المؤقتة للأراضي المحتلة إلى "الضم القانوني" الدائم والمقنن، وهو ما يعد رصاصة الرحمة على ما تبقى من وهم السيادة الفلسطينية. فالإدارة العسكرية، كما عرفها القانون الدولي، هي وضع طارئ يفرض قيوداً أمنية، لكن الاحتلال تجاوز ذلك عبر سن تشريعات تشرعن سرقة الأراضي وتحويلها إلى "أملاك دولة". هذا الالتفاف القانوني، الذي تدعمه أمريكا بشكل سافر في عهد "ترامب"، يهدف إلى جعل الوجود الاستيطاني حقيقة قانونية غير قابلة للنقض في المحاكم الدولية، مما يحول المستوطنات من بؤر عسكرية معزولة إلى مدن إسرائيلية متصلة جغرافياً وقانونياً بالعمق الإسرائيلي.
وهنا يبرز الفرق الجوهري؛ فبينما تتعامل الإدارة العسكرية مع السكان كخاضعين لقانون الحرب، يسعى الضم القانوني إلى إلغاء وجودهم السياسي تماماً عبر مصادرة الحيز الجغرافي الذي يمكن أن تقوم عليه دولتهم المستقلة. ووفقاً لتقارير حقوقية دولية، فإن هذا النهج يعكس زيف الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن "ضرورات أمنية"، بينما الهدف الحقيقي هو التغيير الديموغرافي الشامل. هذا التغول القانوني يترافق مع أزمة وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تتصاعد احتجاجات "الحريديم" ضد قانون التجنيد، مما يهدد استقرار حكومة "بنيامين نتنياهو" المترنحة التي تحاول الهروب من استحقاقات الداخل عبر مزيد من الاستيطان والقمع في الخارج.
نعي حل الدولتين
لقد أدت هذه السياسات الممنهجة إلى تحويل حل الدولتين من مشروع سياسي دولي إلى مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي يفتقر لأي ركيزة على أرض الواقع. إن توسيع عمليات الاستيطان وتسجيل الأراضي كأملاك دولة، بالتزامن مع حالة التأهب القصوى تحسباً لرد إيراني محتمل، يضع المنطقة برمتها في فوهة بركان. وتفيد قراءات سياسية بأن الاحتلال يستغل حالة الفوضى الإقليمية والدعم الأمريكي المطلق لفرض واقع "الدولة الواحدة بنظام الفصل العنصري"، حيث يتمتع المستوطن بكامل الحقوق بينما يرزح الفلسطيني تحت وطأة المجازر المستمرة والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.
إن انعكاسات هذا القرار تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى تدمير أي أمل في الاستقرار المستقبلي، حيث يصبح الحديث عن المفاوضات نوعاً من العبث السياسي في ظل جرافات لا تتوقف عن العمل. وبحسب تقارير مراكز الأبحاث، فإن استمرار هذا النهج، بتواطؤ مباشر من إدارة "ترامب"، يعني أن الانفجار القادم لن يكون محصوراً في غزة أو الضفة، بل سيمتد ليطال العمق الإسرائيلي الذي يعاني أصلاً من تصدعات طبقية ودينية حادة. إن مستقبل المنطقة بات مرهوناً بمدى قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود في وجه هذه المؤامرة الكبرى التي تهدف إلى تصفية قضيته العادلة وتحويل وطنه إلى مجرد ذكريات في سجلات "أملاك الدولة" المزعومة.







