تشهد الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في قرارات مصادرة الأراضي، في مسار لا يمكن فصله عن بنية المشروع الاستيطاني الذي يتوسع بوتيرة متسارعة منذ سنوات، لكنه بلغ مرحلة أكثر جرأة منذ أكتوبر 2023. فبحسب تقارير صادرة عن منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية، تم الإعلان عن آلاف الدونمات كـ"أراضي دولة"، وهي التسمية القانونية التي يستخدمها الاحتلال لتجريد الفلسطينيين من ملكيتهم الفعلية تمهيدًا لتخصيص الأراضي لصالح المستوطنات أو البؤر الاستيطانية.
هذا المسار لا يقتصر على قرارات إدارية معزولة، بل يأتي ضمن سياسة منهجية تعيد رسم الخريطة الجغرافية والسياسية للضفة الغربية. فالمصادرة غالبًا ما تسبق توسيع مستوطنات قائمة أو شرعنة بؤر عشوائية أُنشئت بغطاء عسكري، وهو ما يجعل الحديث عن "إجراءات قانونية" مجرد غطاء بيروقراطي لمشروع توسعي طويل الأمد. وفي الوقت الذي يُروَّج فيه إسرائيليًا لهذه الخطوات باعتبارها "تنظيمًا للأراضي"، يرى الفلسطينيون فيها حلقة جديدة من حلقات الاقتلاع المستمر، واستكمالًا لنهج السيطرة الذي لم يتوقف منذ احتلال عام 1967.
تصاعد خطاب ضم الضفة الغربية
بالتوازي مع المصادرات، عاد خطاب ضم الضفة الغربية إلى الواجهة داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية، ليس بوصفه فكرة هامشية، بل كخيار مطروح بجدية في مداولات حكومية وبرلمانية. شخصيات بارزة في الائتلاف الحاكم تدعو علنًا إلى فرض السيادة الإسرائيلية على مناطق واسعة من الضفة، خصوصًا المناطق المصنفة "ج"، التي تشكل أكثر من 60% من مساحتها، وهو ما يعني عمليًا تقويض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
هذا التصعيد في خطاب الضم لا ينفصل عن المناخ الدولي المرتبك، ولا عن الدعم الأمريكي المستمر سياسيًا وعسكريًا. فالرئيس الحالي ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض في 2024، لم يُظهر أي تغيير جذري في الموقف الأمريكي التقليدي المنحاز لإسرائيل، بل واصل تقديم الغطاء السياسي والدبلوماسي، في وقت تتواصل فيه الحرب على غزة وتتسع دائرة القمع في الضفة. وهكذا يصبح الضم، الذي كان يُطرح سابقًا كخطة مؤجلة، خيارًا يقترب تدريجيًا من التنفيذ على الأرض، عبر خطوات "صغيرة" متراكمة تغيّر الواقع دون إعلان رسمي شامل.
القدس في القلب
لا يمكن فهم ما يجري في الضفة الغربية بمعزل عن القدس، التي تمثل البعد الرمزي والسياسي الأخطر في معادلة الصراع. فالسيطرة على القدس الشرقية، وتعزيز الطوق الاستيطاني حولها، يشكلان ركيزة أساسية في أي تصور إسرائيلي لـ"الحل النهائي". ومنذ سنوات، تتسارع مشاريع التهويد، سواء عبر سحب هويات فلسطينيين، أو تكثيف البناء الاستيطاني، أو فرض وقائع جديدة في محيط المسجد الأقصى.
الربط بين الضفة والقدس ليس جغرافيًا فقط، بل هو جزء من رؤية متكاملة تهدف إلى تفكيك الامتداد الفلسطيني وفصل المدن والقرى عن مركزها السياسي والديني. فالقدس تُراد لها أن تكون العاصمة الموحدة لإسرائيل، فيما تُدفع الضفة إلى حالة من التجزئة الدائمة، عبر الحواجز والطرق الالتفافية والجدران، بما يحول أي كيان فلسطيني مستقبلي إلى جزر معزولة بلا سيادة حقيقية.
هندسة الحل النهائي
الحديث عن "الحل النهائي" الذي كان يومًا عنوانًا لمسار تفاوضي، يبدو اليوم أقرب إلى عملية هندسة أحادية الجانب تُدار بالقوة. فبدل أن يكون الحل نتاج تسوية سياسية قائمة على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يجري فرض معالمه تدريجيًا عبر الوقائع الميدانية: توسع استيطاني، مصادرة أراضٍ، تقويض السلطة الفلسطينية، وإعادة تعريف الحدود من طرف واحد.
في هذا السياق، تبدو الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن "غياب شريك فلسطيني" محاولة لتبرير سياسات تُفرغ أي إمكانية للتسوية من مضمونها. فمنذ أكتوبر 2023، ومع تصاعد المجازر في غزة التي وثقتها منظمات أممية وحقوقية، يتضح أن المشروع القائم لا يسعى إلى سلام متوازن، بل إلى إعادة صياغة المشهد برمته بما يضمن سيطرة أمنية وجغرافية كاملة، بدعم أمريكي مباشر سياسيًا وعسكريًا. وهكذا، تتحول الضفة الغربية إلى ساحة اختبار لمرحلة جديدة: مرحلة يُراد فيها تثبيت الضم كأمر واقع، وإعادة تعريف "الحل النهائي" باعتباره تكريسًا للهيمنة لا تسويةً للصراع.










