21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

مصطفى أبو السعود يكتب: الجرح السبعون: غياب الأحباب عن أجواء رمضان

رمضانُ من أجمل شهور العام، فيه يحرص الجميع على التقرب إلى الله، وتحرصُ العائلات على الاجتماع لممارسة الطقوس الرمضانية وتجديد أواصر العلاقات الاجتماعية، وترتفع فيها مستويات المحبة بين الناس، وفيه تصفد الشياطين.

بقلم: مصطفى محمد أبو السعود
١٨ فبراير ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
17 مشاهدة
مصطفى أبو السعود يكتب: الجرح السبعون: غياب الأحباب عن أجواء رمضان

مصطفى أبو السعود يكتب: الجرح السبعون: غياب الأحباب عن أجواء رمضان

رمضانُ من أجمل شهور العام، فيه يحرص الجميع على التقرب إلى الله، وتحرصُ العائلات على الاجتماع لممارسة الطقوس الرمضانية وتجديد أواصر العلاقات الاجتماعية، وترتفع فيها مستويات المحبة بين الناس، وفيه تصفد الشياطين.  


لكن غزة التي تدخل عامها الثالث في بركان الحقد الإسرائيلي، منذ العدوان عليها اكتوبر2023، فالوضع يختلف، ففيها، وبفعل العدوان تفرقت العائلات، تكدرت النفوس وتغيرت الطقوس، ولا أبالغ لو قلت بأن ما من عائلة وإلا وفقدت أحد أعضائها إما شهيداً أو أسيراً أو مفقوداً أو مطارداً، أو مسافراً، وغياب أحد الأفراد لا يُشعر باقي الأسرة بالسعادة أثناء الاجتماع على مائدة الإفطار.


على مائدة الإفطار تعود ذاكرة من بقي على قيد الحياة، ليتذكر من غادرها، فيتذكر الأبُ أولاده حين كانوا يتشاكسون، يتعاركون في نهار رمضان، وينهرهم عساه يحظى بنصف ساعة قيلولة، وكذا تفعل الأم، ويتذكر الأولاد أباهم حين  كان يعود من العمل يحمل لهم أصناف طعام رمضان، ويتسلقون ظهره،  ويتذكرون امهم وهي تقف لفترة طويلة في اعداد الطعام لهم وهي سعيدة، ويتذكر الأبُ وأولاده حين كانوا يذهبون لبيت جدهم ويجتمع صغار القوم ليصدعوا رؤوس كبارهم بضجيجهم وصراخهم، يتذكر الجميع اللحظات الأخيرة في توديع نهار رمضان واستقبال أذان المغرب، والكل يتسابق لشرب العصير والماء معلناً فوزه بكسب صيام يوم رمضان.

 


تتذكر الأخوات ما كان بينهن من اختلافٍ حول مَن تطبخ ومن تَجهز مائدة الطعام ومن تنظف أواني الأكل بعد انتهاء الطعام، يتذكر الأخوة اختلافهم حول أحقية كل منهم بمشاهدة ومتابعة برنامجه أو مسلسله الرمضاني المُفضل، يتذكر الصديق صديقه الذي كان يقضي معه وقتاً في المدرسة أو الجامعة أو روضة الأطفال أو الملعب.
في رمضان تستيقظ الذاكرة بعد أن نامت قليلاً في زحمة الحياة التي لا تُسعد روحاً ولا تُريح جسداً، لتنظر حولها فلا تجد إلا القليل ممن كانت ترتاح لهم وتطمئن وتسعد بوجودهم.


في رمضان يَحنُ الوالدُ لصراخِ أطفاله حين كان موسم شراء ملابس العيد يقترب، فكل طفلٍ يتودد لوالده عساه يحظى بنصيبٍ زائدٍ عن إخوانه، ويَحنُ الأطفال لجولة تسوقية برفقة والديهم.
على مائدة الإفطار، وبدل أن تخطط الأسرة للمستقبل، صارت تحن لأشخاص وماض وذكريات لن تعود، ولن تعوض، لكنها القلوب التي تتعلق بأي نسمة هواءٍ قادمةٍ من الزمن الجميل.


يرفعُ المؤذنُ أذان المغرب فيعود الغارقون في بحر التأمل من رحلتهم، إلى واقعٍ صعبٍ مرير، لم تكف فيه طائرات العدو الحاقد عن قذف حممها على أجساد الأبرياء، لم يشبع صياد الموت من صيد أرواح الأطفال وهم يلعبون قضاءَ للوقت وانتظاراً لتناول الإفطار.
الحديث عن ذكريات رائعة مع أشخاص رائعين، لا ينته، ولا يكفيه كلمات قليلة، فحديث القلوب إذا فُتحت، لا ينتهي.
نسأل الله العوض الجميل عما فقدناه، وأن يزيل عنا الغم والهم قريباً عاجلاً

مصطفى محمد أبو السعود

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

مصطفى أبو السعود يكتب: الجرح السبعون: غياب الأحباب عن أجواء رمضان - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°