21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

بروكسل تتحرك نحو غزة: كواليس الدعم الأوروبي لإنشاء إدارة مدنية مستقلة في القطاع

بحسب الوثيقة التي وُزعت على العواصم الأوروبية، فإن الذراع الدبلوماسية للاتحاد قد بدأت بالفعل قنوات تواصل مع هياكل الحكم الانتقالية

بقلم: محمد خميس
١٨ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
10 مشاهدة
غزة

غزة

كشفت وثائق دبلوماسية مسربة صادرة عن جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي عن توجه جديد وبارز داخل التكتل القاري يهدف إلى دراسة إمكانية تقديم دعم ملموس لـ "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، وهي الهيكل الإداري الانتقالي الذي تأسس مؤخراً لإدارة شؤون القطاع المحاصر.

 ووفقا للمركز الفلسطيني للإعلام وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية، حيث يستعد وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لعقد اجتماع حاسم في العاصمة البلجيكية بروكسل يوم 23 فبراير/ شباط الجاري، لمناقشة التطورات المتسارعة في قطاع غزة والبحث عن مخارج عملية لإنهاء التدهور الإنساني والمؤسساتي.

 وبحسب الوثيقة التي وُزعت على العواصم الأوروبية، فإن الذراع الدبلوماسية للاتحاد قد بدأت بالفعل قنوات تواصل مع هياكل الحكم الانتقالية، مما يعكس رغبة أوروبية في الانخراط المباشر في تشكيل ملامح "اليوم التالي" للحرب، بعيداً عن الصيغ التقليدية التي أثبتت تعقيدها خلال الأشهر الماضية.

التوازن الأوروبي الأمريكي.. بين مجلس السلام والاستقلالية السياسية

وفي سياق التجاذبات الدولية حول ملف غزة، يظهر بوضوح وجود تباين في المقاربات بين ضفتي الأطلسي، حيث اختارت غالبية الحكومات الأوروبية عدم الانضمام رسمياً إلى "مجلس السلام" الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، مفضلة الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي تجاه القضية الفلسطينية، ومع ذلك، أكدت الوثيقة الأوروبية أن هذا الموقف لا يعني التخلي عن الجهود الدولية، بل سيشارك الاتحاد بصفة "مراقب" في اجتماع المجلس المقرر عقده في واشنطن عبر المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط "دوبرافكا شويتسا".

 وشددت بروكسل على أن عدم العضوية الكاملة في المجلس لا يؤثر على التزام التكتل بإنجاح خطة السلام الشاملة، حيث يركز الاتحاد الأوروبي جهوده على الجوانب الفنية واللوجستية من خلال بعثة الدعم الشرطي التابعة له، والتي ستتولى مهام تدريب وتجهيز الشرطة المدنية الفلسطينية ومؤسسات العدالة الجنائية، لضمان وجود قوة استقرار قادرة على فرض القانون داخل غزة في المرحلة الانتقالية.

اللجنة الوطنية لإدارة غزة.. تحديات الصلاحيات والاعتراف الميداني

من جانبها، تواصل اللجنة الوطنية لإدارة غزة مساعيها الحثيثة لتثبيت أقدامها كمرجعية إدارية وحيدة ومستقلة، حيث وجهت السبت الماضي دعوة صريحة للمجتمع الدولي والجهات الفاعلة لمنحها الصلاحيات الإدارية والمدنية والشرطية الكاملة.

 وأكدت اللجنة في بياناتها أن الهدف من هذه المطالب هو تمكينها من أداء مهامها بكفاءة واستقلالية بعيداً عن التجاذبات السياسية، مشيرة إلى أن البيانات الصادرة عن الجهات الحكومية الحالية في غزة (التي تديرها حماس) بشأن الجاهزية لتسليم المؤسسات والمرافق العامة، تمثل "محطة مفصلية" وفرصة حقيقية لوقف التدهور المعيشي والحفاظ على صمود المواطنين، وترى اللجنة أن هذه الخطوة تمهد الطريق لعملية انتقال منظم للسلطة الإدارية، مما يسهل وصول المساعدات الدولية وإعادة إعمار المرافق الحيوية التي تضررت بشكل جسيم جراء العمليات العسكرية المستمرة.

العقبات الإسرائيلية والمواقف المتباينة.. طريق اللجنة ليس مفروشاً بالورود

ورغم هذا التوافق الداخلي النسبي في قطاع غزة على نقل الصلاحيات للجنة الوطنية، إلا أن المسار لا يزال محفوفاً بالعقبات الجيوسياسية، فأبرز التحديات تكمن في الموقف الإسرائيلي الذي لا يزال يتجاهل وجود هذه اللجنة ويرفض التعامل معها كشريك إداري، بالإضافة إلى التفسيرات المختلفة التي تتبناها القوى الدولية حول توجهات اللجنة وأهدافها الطويلة الأمد.

وترى بعض الأطراف أن نجاح اللجنة مرهون بمدى قدرتها على نيل اعتراف دولي واسع، وتوفير غطاء تمويلي أوروبي وعربي يضمن لها الاستمرارية، وفي هذا الإطار، يأتي اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل كاختبار حقيقي لقدرة القارة العجوز على فرض رؤية إدارية جديدة في غزة توازن بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية والحقوق الوطنية والإدارية الفلسطينية.

إن التحرك الأوروبي نحو دعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة يعكس قناعة متزايدة بأن الحلول العسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفراغ الذي يضر بالمدنيين، وأن بناء مؤسسات مدنية وشرطية قوية هو المدخل الوحيد للاستقرار.

ومع اقتراب موعد اجتماع بروكسل، تترقب الأوساط السياسية الفلسطينية والدولية ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيتحول من مرحلة "دراسة الإمكانية" إلى مرحلة "الدعم الفعلي"، وهل ستتمكن بعثة الدعم الشرطي من مباشرة مهامها في ظل التعقيدات الميدانية؟ إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت غزة ستدخل مرحلة جديدة من الإدارة الانتقالية المنظمة، أم ستظل أسيرة للمشاريع المتصادمة والرفض الإسرائيلي لأي كيان فلسطيني قادر على إدارة الشأن العام بفاعلية واستقلال.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال