يقول د. أحمد العناني، الباحث في الشأن الإيراني، لا يمكن القول إن هناك اختراقًا واضحًا في المفاوضات الجارية بين واشنطن وإيران. ويرى أن الجانب الأمريكي يدرك تمامًا أن هناك ملفات تعتبرها إيران خطوطًا حمراء، خاصة الملف الصاروخي وملفات وكلاء إيران في المنطقة. أما الملف النووي، فهو أيضًا ضمن الخطوط الحمراء الإيرانية، وبالتالي أي تخصيب أو ضغط مفرط عليه يُرفض بشكل مطلق.
ويشير العناني لـ"180 تحقيقات"، إلى أن الولايات المتحدة تراهن على سياسة الردع والتحشيد العسكري، دون اللجوء لضربة مباشرة، وهو ما يطلق عليه "الردع المحدود" أو "الردع غير المباشر". هذا التحشيد يتجلى في المناورات العسكرية وتحريك الأساطيل، كما حدث في عمليات سابقة مثل "خرموس" و"أبراهام لونكلين". المفاوضات، بحسب العناني، تتم تحت ضغط مدروس من واشنطن لإجبار إيران على الاستجابة للمطالب الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تعلم أن طهران محترفة في استهلاك الوقت وتأجيل القرارات الحاسمة.
إيران وسياسة ترامب الاستفزازية
يؤكد د. العناني أن تشدد واشنطن اليوم يعكس سياسة دونالد ترامب، الذي يتبع نهج التصعيد حتى اللحظة الأخيرة. ففي 2018، بعد انسحابه من الاتفاق النووي، كان ترامب مستعدًا لتوجيه ضربة عسكرية لإيران، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة، مما يعكس استراتيجيته المعروفة بإرسال رسائل متعددة لإيران بأن أي ضربة ممكنة في أي وقت دون إعلان مسبق.
هذه السياسة، كما يوضح العناني، تجعل الإيرانيين في حالة عدم يقين دائم، وهو ما يعزز من قدرة واشنطن على الضغط عبر التحشيد العسكري والسياسي، بينما يبقى باب المفاوضات مفتوحًا. الهدف النهائي، بحسب الباحث، هو توقيع اتفاق قبل انتهاء ولاية ترامب، ليتمكن الرئيس الأمريكي من تقديم هذا الإنجاز داخليًا كدليل على قوته مقارنة بالديمقراطيين، خاصة بعد انسحابه من اتفاق 2015 وانتقاده للملفات الصاروخية وملفات الوكلاء الإيرانية.
المرونة الإيرانية واستراتيجية المماطلة
من منظور د. العناني، تتبع إيران استراتيجية واضحة تقوم على المماطلة والمرونة في التفاوض. هذه المرونة تهدف إلى استنزاف الوقت ومنع وقوع ضربة أمريكية مباشرة، خصوصًا قبل نهاية ولاية ترامب. إيران بذلك تحاول حماية مصالحها الإقليمية، سواء على صعيد الملف النووي أو الملف الصاروخي، مستغلة خبرتها الطويلة في إدارة الملفات الاستراتيجية والضغط على الطرف الآخر لاستنزافه.
ويضيف العناني أن هذا التوازن بين التشدد الأمريكي والمرونة الإيرانية يعكس صراعًا على الأرضية السياسية، حيث تحاول واشنطن فرض شروطها بسرعة، بينما تسعى طهران إلى تأجيل أي التزامات حاسمة لضمان مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.
الردع الإيراني مقابل التحشيد الأمريكي
يشير العناني إلى أن إيران تمارس سياسة الردع المقابل، عبر مناورات بحرية في بحر العرب وخليج عمان، وتوجيه رسائل حول قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك التهديدات النووية الرمزية. هذه الرسائل الإيرانية تأتي لتذكير واشنطن بأن أي تحرك أمريكي أو إسرائيلي قد يواجه رد فعل مباشر، وهو ما يعقد من حسابات الجانب الأمريكي ويجعل الضربات المباشرة محدودة حتى الآن.
في نفس السياق، تستغل واشنطن هذه الملفات لإرسال رسائل استراتيجية إلى دول منافسة، مثل الصين وروسيا، لتأكيد تفوقها العسكري وتقليص قدرة هذه الدول على تعزيز قدراتها النووية، خاصة بعد انهيار معاهدة "نيوستارت"، حسب تقييم د. العناني.
احتمالية تصعيد عسكري مرتقب
يؤكد العناني أن استمرار المماطلة الإيرانية وعدم اتخاذ قرارات حاسمة في الملفات النووية والصاروخية قد يرفع احتمالية توجيه ضربة أمريكية إسرائيلية مباشرة. ويضيف أن هذه المرة، من المرجح أن تستهدف الضربة ليس فقط المنشآت النووية، بل مواقع قيادية في النظام الإيراني، بما في ذلك المرشد الأعلى. هذا السيناريو يعكس تصعيدًا غير مسبوق في الردع، ويشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى لممارسة أقصى ضغط قبل نهاية ولاية ترامب لضمان تحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية ملموسة.










