4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

الضفة الغربية والقدس: بين واقع الانقسام وقرار الحل النهائي

عكس المشهد في الضفة الغربية والقدس تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني، في سياق يبدو أبعد من كونه مجرد نشاط عمراني، وأقرب إلى عملية إعادة هندسة جغرافية وسياسية شاملة

بقلم: سماح عثمان
١٩ فبراير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
17 مشاهدة
الضفة الغربية

الضفة الغربية

يعكس المشهد في الضفة الغربية والقدس تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني، في سياق يبدو أبعد من كونه مجرد نشاط عمراني، وأقرب إلى عملية إعادة هندسة جغرافية وسياسية شاملة. فبحسب تقارير صادرة عن منظمات إسرائيلية مثل السلام الآن، فإن عدد الوحدات الاستيطانية التي جرى إقرارها منذ أكتوبر 2023 تجاوز معدلات السنوات السابقة، مع تركيز واضح على المناطق الحيوية المحيطة بالقدس وفي عمق الضفة، بما يعزل المدن الفلسطينية عن بعضها ويحوّل القرى إلى جيوب معزولة محاطة بالطرق الالتفافية والمعسكرات.

هذا التوسع لا يمكن فصله عن التحولات السياسية داخل حكومة الاحتلال، التي يقودها بنيامين نتنياهو، والتي تضم وزراء يعلنون صراحة رفضهم لأي كيان فلسطيني مستقل. وفي هذا السياق، لا تبدو المستوطنات مجرد أوراق ضغط تفاوضية، بل أدوات حسم مسبق لملف الحدود في أي تسوية نهائية محتملة، بحيث يصبح الحديث عن دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الإمكانية الواقعية.

تقييد الصلاة بالأقصى

بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، تصاعدت القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، خصوصًا منذ أكتوبر 2023، حيث فُرضت قيود عمرية وجغرافية مشددة، ومنعت أعداد كبيرة من أبناء الضفة من الوصول إلى القدس. ووفقًا لتقارير نشرتها صحيفة هآرتس، فإن هذه الإجراءات جاءت ضمن سياسة "الاحتواء الأمني"، لكنها عمليًا عمّقت الإحساس الفلسطيني بأن القدس تُفصل تدريجيًا عن محيطها الطبيعي.

ولا يقتصر الأمر على القيود، بل يمتد إلى تصاعد اقتحامات جماعات استيطانية باحات المسجد تحت حماية قوات الاحتلال، في مشهد يتكرر بوتيرة أعلى خلال المواسم الدينية. وتُقدَّم هذه الاقتحامات في الرواية الإسرائيلية باعتبارها "زيارة"، بينما يراها الفلسطينيون مساسًا مباشرًا بالوضع التاريخي والقانوني القائم، ومحاولة لتغيير هوية المكان تدريجيًا، في إطار مشروع أوسع لإعادة تعريف السيادة على القدس.

مستقبل السلطة في الضفة

في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل السلطة الفلسطينية، لا سيما دورها الأمني في الضفة الغربية. فمنذ تأسيسها عقب اتفاق منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي، اضطلعت السلطة بوظيفة مزدوجة: إدارة الشؤون المدنية من جهة، والتنسيق الأمني من جهة أخرى. غير أن هذا الدور بات موضع تشكيك داخلي متزايد، في ظل تآكل شرعيتها الشعبية وعجزها عن وقف التوسع الاستيطاني أو حماية الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين.

وتشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث مثل مجموعة الأزمات الدولية إلى أن استمرار السلطة بصيغتها الحالية يخدم، من منظور إسرائيلي، إدارة الصراع لا حله، إذ توفر بنية إدارية وأمنية تخفف الأعباء عن الاحتلال، من دون أن تمتلك أفقًا سياسيًا حقيقيًا. وهنا يتعاظم الجدل: هل يجري الإبقاء على السلطة ككيان إداري أمني منزوع السيادة، أم أن الضفة تتجه نحو إعادة تشكيل جذري قد يفضي إلى انهيار هذا النموذج بالكامل؟

نقاش حل الدولتين

يتجدد الحديث عن "حل الدولتين" في المحافل الدولية كلما تصاعدت المواجهات، إلا أن الواقع الميداني في الضفة والقدس يطرح تساؤلات عميقة حول قابليته للتطبيق. فبحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة، فإن التوسع الاستيطاني المستمر يهدد الأساس الجغرافي لأي دولة فلسطينية مستقبلية، في حين تواصل الحكومة الإسرائيلية سنّ تشريعات تعزز السيطرة على المناطق المصنفة "ج".

وفي الوقت ذاته، تتعامل الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الحالي دونالد ترامب مع الملف بوصفه جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع، تركز على الاستقرار الأمني أكثر من تركيزها على إنهاء الاحتلال. ويعزز هذا التوجه انطباعًا بأن غزة تُدار باعتبارها ملفًا إنسانيًا وأمنيًا مؤقتًا، بينما تُحسم في الضفة والقدس معالم الحل النهائي على الأرض، عبر فرض وقائع يصعب التراجع عنها.

كيانان منفصلان؟

في ضوء هذه المعطيات، يبرز السؤال التحليلي الأهم: هل يجري تثبيت كيانين سياسيين منفصلين بصورة ممنهجة؟ فغزة، التي شهدت مجازر واسعة منذ أكتوبر 2023 بدعم سياسي وعسكري أمريكي مباشر، تُعامل باعتبارها ساحة ترتيبات انتقالية، تخضع لتهدئات مؤقتة ومفاوضات جزئية، من دون أفق سيادي واضح. أما الضفة الغربية، فتخضع لعملية إعادة تشكيل عميقة، عنوانها التوسع الاستيطاني، وإعادة تعريف الصلاحيات الأمنية، وتكريس واقع إداري يجعل من فكرة الدولة الواحدة المتصلة جغرافيًا احتمالًا متآكلًا.

هذا الفصل العملي بين المسارين قد يفضي إلى واقع دائم: كيان في غزة محاصر ومقيد، وكيان في الضفة بلا سيادة فعلية، فيما تُحسم القدس تدريجيًا خارج أي تفاوض حقيقي. وبينما يُعاد إحياء خطاب "الحل النهائي" في الدبلوماسية الدولية، تبدو الأرض وكأنها تكتب سيناريو مختلفًا، قوامه إدارة طويلة الأمد للانقسام، لا تسوية شاملة تعيد للشعب الفلسطيني حقه في دولة مستقلة كاملة السيادة.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

الضفة الغربية والقدس: بين واقع الانقسام وقرار الحل النهائي - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°