صرح الدكتور إسماعيل تركي أستاذ العلوم السياسية، أنه منذ انطلاق جولة المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في مسقط، ثم انتقالها إلى جنيف، بدا واضحًا أننا لسنا أمام مسار دبلوماسي تقليدي يعيد إحياء اتفاق نووي سابق، بل أمام عملية تفاوض تجري تحت ضغط عسكري مكثّف، وتتحرك في بيئة استراتيجية مضطربة. هذه المفاوضات، من وجهة نظري كأستاذ للعلوم السياسية، لا تستهدف فقط إعادة ضبط بنود تقنية متعلقة بنسبة التخصيب أو آليات التفتيش، وإنما تسعى بالأساس إلى اختبار الخطوط الحمراء لكل طرف، ومعرفة ما يمكن أن يُقدَّم على الطاولة وما يُعدّ مساسًا بجوهر الأمن القومي ولا يقبل التنازل.
وقال تركي لـ"180 تحقيقات"، أن التحول الجوهري في طبيعة هذه المباحثات يكشف أن الطرفين لا يتفاوضان من موقع الثقة المتبادلة، بل من موقع التحسب لاحتمال الانفجار. فكل جولة حوار تجري بينما الأساطيل تتحرك، والرسائل العسكرية تتكاثر، والاتهامات المتبادلة تتصاعد. لذلك يمكن وصف هذه العملية بأنها مفاوضات لاحتواء المواجهة أكثر من كونها مفاوضات لتسوية نهائية، إذ يجري خلالها قياس الإرادات وتحديد سقوف التصعيد قبل اتخاذ قرار استراتيجي بالحرب أو التهدئة.
مطالب متصاعدة
وأكد أستاذ العلوم السياسية،رفعت الولايات المتحدة سقف مطالبها إلى ما يتجاوز الملف النووي، لتضع على الطاولة قضايا الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وما يُعرف بعلاقة طهران بأذرعها في المنطقة. بهذا المعنى، لم يعد الحديث مقتصرًا على عدد أجهزة الطرد المركزي أو مستويات تخصيب اليورانيوم، بل أصبح متعلقًا بإعادة صياغة الدور الإقليمي لإيران برمّته، وهو ما تعتبره طهران مساسًا مباشرًا بأمنها القومي وتعديًا على سيادتها وحقها في امتلاك أدوات الردع.
في المقابل، تُظهر إيران مرونة تكتيكية في ما يتعلق بنسبة التخصيب ومستوى الرقابة الدولية على منشآتها النووية، لكنها تتشدد بشدة في ملف الصواريخ ومنظومة الردع. من وجهة نظرها، هذه القدرات ليست مجرد أدوات عسكرية، بل تمثل خلاصة مسار طويل من المواجهة والعقوبات والاغتيالات والضربات التي طالت علماءها النوويين وقادتها العسكريين، فضلًا عن تعرض منشآتها لضربات خلال حرب يونيو 2025. لذلك ترى طهران أن التنازل في هذا الملف ليس مجرد تنازل تقني، بل انكسار رمزي واستراتيجي يمس كرامة الدولة ومفهومها للسيادة.
مفاوضات إيران وهندسة القوة
وقال تركي، إن غياب الاختراق الحقيقي في المفاوضات ليس نتيجة خلاف تقني حول أجهزة الطرد أو آليات التفتيش، بل يعكس تباينًا عميقًا في الرؤية حول شكل ميزان القوى في الشرق الأوسط. نحن أمام محاولة لإعادة هندسة هذا الميزان، بحيث تسعى واشنطن إلى تقليص قدرة إيران على التأثير الإقليمي، بينما تصر طهران على انتزاع اعتراف دولي بمكانتها كدولة تمتلك المعرفة النووية الكاملة، وقادرة على الوصول إلى العتبة النووية متى أرادت، دون أن تتجاوزها رسميًا.
فإيران اليوم لا تفاوض على تجميد برنامجها بقدر ما تفاوض على تثبيت موقعها كقوة إقليمية كبرى تقف على الحافة النووية دون القفز إلى داخلها. فهي تريد معادلة دقيقة: ضبط النفس مقابل الاعتراف بالمكانة، وعدم التدخل في شؤونها مقابل عدم تجاوزها الخط الأحمر النووي. هذه المعادلة، إن تحققت، ستعني انتقال الأزمة من مربع المنع الكامل إلى مربع الردع المتبادل القائم على إدارة المخاطر.
رسائل بحرية
على أرض الواقع، تواصل الولايات المتحدة تعزيز حضورها العسكري البحري، بما في ذلك نشر حاملات الطائرات USS Abraham Lincoln وUSS Harry S. Truman. في تقديري، لا يشير هذا الحشد إلى نية احتلال، بل يهدف إلى توجيه رسالة ردع مزدوجة: أولًا إلى طهران بأن الخيار العسكري حاضر وجاهز، وثانيًا إلى حلفاء واشنطن بأن الالتزام الأمني الأمريكي لم يتراجع.
في المقابل، تتحدث إيران عن عقيدة هجومية جديدة تقوم على الإغراق الصاروخي واستخدام المسيّرات بكثافة، مع التلويح بإغلاق مضيق هرمز. هذا التهديد لا يخص الإقليم وحده، بل يمس الاقتصاد العالمي بأسره، إذ إن أي إغلاق لهذا الشريان الحيوي قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية تتجاوز حدود المواجهة الثنائية، وتدفع بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعل الحرب خيارًا عالي الكلفة للجميع.
البعد الدولي
أما الاتهامات الأمريكية للصين بشأن نشاط نووي في موقع لوب نور، فهي تحمل رسالة ضمنية مفادها أن نظام الردع العالمي يتآكل، وأن البيئة الدولية أصبحت أكثر اضطرابًا، بما يجعل خيار الضربة الاستباقية أقل استبعادًا من السابق. هذه الرسائل، وإن كانت موجهة لبكين، فإن صداها يصل إلى طهران التي تستخلص منها ضرورة تعزيز قدراتها الردعية في عالم لم يعد مستقرًا.
في هذا السياق، يتعزز لدى صانع القرار الإيراني الاعتقاد بأن امتلاك أدوات ردع قوية ليس ترفًا استراتيجيًا، بل ضرورة وجودية، خاصة في ظل شعور بأن الضمانات الدولية لم تعد كافية، وأن ميزان القوة هو العامل الحاسم في منع الاستهداف أو فرض الشروط.
الدور الإسرائيلي
وأشار، من وجهة نظري، يُعد الدور الإسرائيلي الأكثر تأثيرًا في ديناميات التصعيد الراهنة. ففي ظل ضغوط سياسية داخلية، تميل الحكومة الإسرائيلية إلى تبني خطاب حاسم يعتبر عام 2026 عامًا مفصليًا. عملية مطرقة منتصف الليل في يونيو 2025 لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني، بل أخّرته فقط، وهو ما عزز داخل إسرائيل قناعة بضرورة الحسم بدل الاكتفاء بالاحتواء.
هذا التوجه يعكس أيضًا طبيعة المقاربة الإسرائيلية التي ترى في امتلاك إيران لقدرات نووية كامنة تهديدًا وجوديًا، وليس مجرد تحدٍ استراتيجي يمكن التعايش معه. ومن هنا، قد تتحول إسرائيل إلى عامل دفع نحو المواجهة إذا شعرت بأن واشنطن تميل إلى تسوية لا تحقق لها أهدافها الأمنية القصوى.
سيناريو الاتفاق
واستطرد حديثه قائلا، يفترض هذا السيناريو أن الطرفين سيصلان إلى قناعة بأن كلفة الحرب أعلى بكثير من مكاسبها المحتملة، فيتجهان إلى صيغة تجميد متبادل: توقف إيران التخصيب عند مستويات منخفضة، وتخضع منشآتها لرقابة صارمة، مقابل رفع جزئي ومدروس للعقوبات المالية. مثل هذا الاتفاق لن يكون عودة كاملة إلى ترتيبات سابقة، بل صيغة انتقالية لإدارة الصراع.
غير أن العقبة الأساسية تكمن في مطالبة واشنطن بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية وتقليص النفوذ الصاروخي، وهو ما تعتبره طهران انتحارًا سياسيًا وتفريطًا في السيادة. لذلك يبدو هذا السيناريو ممكنًا نظريًا، لكنه يتطلب تنازلات مؤلمة لم تظهر مؤشرات كافية على استعداد الطرفين لتقديمها.
سيناريو الضربة
السيناريو الثاني يتمثل في ضربة عسكرية كبرى تستهدف منشآت مثل فوردو ونطنز وأصفهان، ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري. الهدف الأمريكي المحتمل لن يكون احتلال إيران، بل شل قدراتها النووية والعسكرية وإضعاف بنية النظام. تمتلك واشنطن قنابل قادرة على اختراق التحصينات العميقة، غير أن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن أي ضربة قد تؤخر البرنامج لسنوات، لكنها لن تقضي عليه بسبب المعرفة التقنية المخزنة والمنشآت السرية.
المشكلة أن مثل هذه الضربة قد تشعل حرب استنزاف إقليمية، تشمل إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة في الخليج، وربما وصول القصف إلى العمق الإسرائيلي. عندها لن تكون المواجهة ثنائية، بل أزمة إقليمية ذات أبعاد عالمية تمس أسواق الطاقة والاستقرار الدولي.
الردع الطويل
أما السيناريو الثالث فهو البقاء في منطقة “اللا حرب واللا سلم”، مع استمرار سياسة الضغوط القصوى لإضعاف إيران من الداخل، مقابل بقاء طهران على عتبة القنبلة دون تجاوزها رسميًا. في هذا السياق، قد تلعب إسرائيل دور المحفّز للمواجهة إذا شعرت بأن واشنطن تتردد، فتقدم على ضربة أحادية تجر الولايات المتحدة إلى التدخل دفاعًا عنها.
السؤال الجوهري هنا: هل تستطيع واشنطن إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام دون رد مؤلم؟ الواقع يشير إلى أن إيران أعلنت في فبراير 2026 عقيدة هجومية جديدة تعتمد على منظومة صاروخية قادرة على استهداف القواعد الأمريكية وحلفائها، ما يجعل أي ضربة عسكرية مقامرة استراتيجية قد تؤدي إلى انهيار أسواق الطاقة العالمية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الضربة أصبحت خيارًا جاهزًا من الناحية العسكرية، لكنها قد تكون الشرارة التي تدفع إيران، كرد فعل انتقامي سريع، إلى الانتقال من دولة تقف على حافة القنبلة إلى دولة تمتلكها فعليًا.
بهذا المعنى، نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، حيث تتقاطع إرادات الردع مع مخاطر الانفجار، ويصبح القرار بين الحرب والاحتواء قرارًا لا يتعلق بطهران وواشنطن وحدهما، بل بمستقبل الشرق الأوسط والنظام الدولي بأسره.









