يعيش العراق اليوم حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث تبرز أزمة الاستحقاقات الدستورية كعقبة كأداء أمام طموحات الاستقرار والتنمية الشاملة التي تنشدها القوى الفاعلة والمواطن العراقي على حد سواء.
إن الدستور العراقي، الذي وضع ليكون الضامن للتداول السلمي للسلطة، بات اليوم ساحة للتفسيرات المتناقضة والاجتهادات التي تخدم المصالح الحزبية، مما أدى إلى تأخير حسم مناصب سيادية وتأجيل استحقاقات انتخابية هامة، وهذا التعطيل ليس نتاجاً لفقر في النصوص القانونية، بل هو انعكاس مباشر لحالة الانقسام في الرؤى السياسية حول هوية الدولة العراقية القادمة ودورها في المحيط العربي والإقليمي، حيث تجد الكتل السياسية نفسها مجبرة على الموازنة بين ضغوط القواعد الشعبية وبين التحالفات العابرة للحدود التي تؤثر بشكل مباشر على عملية صنع القرار في بغداد.
تأثير الصراع الإقليمي على بوصلة القرار الداخلي
لا يمكن قراءة المشهد السياسي العراقي بمعزل عن التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، إذ يمثل العراق نقطة الارتكاز في الصراع المستمر بين المحاور الإقليمية الكبرى، وهذا الموقع الجغرافي الحساس جعل من "الاستحقاق الدستوري" ورقة ضغط تستخدمها الأطراف المختلفة لتعزيز نفوذها، فكلما اقترب العراق من حسم ملف داخلي، تبرز متغيرات خارجية تعيد ترتيب الأوراق وتفرض نوعاً من "الستاتيكو" أو الجمود السياسي بانتظار ما ستسفر عنه التفاهمات الكبرى.
إن الاستقرار السياسي في ظل هذا الصراع يبدو هشاً، حيث تسعى الحكومة الحالية جاهدة للنأي بنفسها عن سياسة المحاور، إلا أن تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية مع دول الجوار يجعل من استقلالية القرار السياسي تحدياً يومياً يواجه صانع القرار في المنطقة الخضراء، ويؤخر بالتبعية حسم الملفات العالقة التي تتطلب إجماعاً وطنياً بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
أزمة الثقة وتآكل العقد الاجتماعي
من أبرز تداعيات تأخير الاستحقاقات الدستورية هو تعمق فجوة الثقة بين الجمهور والنخبة الحاكمة، فالمواطن الذي يترقب تحسين الخدمات ومكافحة الفساد يرى في الصراعات حول المناصب والمدد القانونية نوعاً من الترف السياسي الذي لا يلامس همومه اليومية، وهذا التآكل في العقد الاجتماعي يمنح الفرصة للقوى المتربصة بالعملية الديمقراطية لإثارة القلاقل والتشكيك في جدوى النظام السياسي الحالي.
كما أن الفشل في الالتزام بالتوقيتات الدستورية يرسل رسائل سلبية للمجتمع الدولي وللمستثمرين، مما يعيق تدفق رؤوس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار وتطوير البنى التحتية، وهو ما يضع الدولة في حلقة مفرغة من الأزمات الاقتصادية والسياسية المترابطة التي يصعب الفكاك منها دون العودة إلى روح الدستور وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفئوية الضيقة.
سيناريوهات الحل وفرص الاستقرار المستدام
رغم قتامة المشهد في بعض جوانبه، إلا أن هناك فرصاً حقيقية للانفراج إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة للعبور نحو ضفة الاستقرار.
وتتمثل أولى خطوات الحل في ضرورة إجراء مراجعة شاملة لآليات تنفيذ الدستور بما يمنع مستقبلاً حالات الانسداد السياسي المتكررة، وذلك عبر تشريعات قانونية واضحة تلزم الجميع بالتوقيتات الزمنية.
وبالتوازي مع ذلك، يتطلب الأمر تعزيز سياسة "التوازن الإيجابي" في العلاقات الخارجية، بحيث يتحول العراق من ساحة لتصفية الحسابات إلى منطقة وسيطة لتقريب وجهات النظر بين الخصوم الإقليميين.
إن هذا التحول الاستراتيجي كفيل بتخفيف الضغط عن الداخل العراقي ويسمح للقوى السياسية بالتركيز على بناء مؤسسات الدولة وتثبيت ركائز الحكم الرشيد، مما يضمن في نهاية المطاف تحقيق استقرار سياسي مستدام يحمي السيادة الوطنية ويحقق تطلعات الشعب في العيش الكريم.






